كشفت مجلة The Diplomat، في تحليل مطوّل للكاتب المتخصص في شؤون شرق آسيا وأميركا اللاتينية باتريك كو، أن النفوذ الاقتصادي المتنامي للصين في البرازيل بات يعيد تشكيل ميزان القوى في أمريكا اللاتينية بطريقة لافتة. ويرى الكاتب أن الصين، التي كانت لسنوات شريكًا تجاريًا رئيسيًا للبرازيل، تحوّلت اليوم إلى لاعب مهيمن داخل القاعدة الصناعية والاقتصاد الاستهلاكي البرازيلي، ما يجعل عملاق أمريكا الجنوبية بوابة لتمدد النفوذ الصيني عبر القارة بأكملها.
وقال كو إن الوجود الصيني لم يعد مقتصرًا على شراء السلع الأولية، كما كان الحال خلال العقد الماضي، بل أصبح اليوم جزءًا من الحياة اليومية للبرازيليين؛ إذ تهيمن سيارات BYD الكهربائية على الطرق—بأكثر من 80% من السوق—فيما تتنافس تطبيقات صينية مثل “99” و“Kita” على السيطرة على خدمات النقل والتوصيل. وأضاف أن الشركات الصينية، التي كانت حتى وقت قريب مجرد مصدّرين، أصبحت الآن تشكل سوق العمل البرازيلي وتسهم في خلق الوظائف وإعادة تشكيل قطاعات كاملة.
وتابع الكاتب أن حجم الاستثمار الصيني المباشر في البرازيل شهد قفزة غير مسبوقة بلغت 113% بين عامي 2023 و2024، مقابل 0.057% فقط للولايات المتحدة، رغم أن واشنطن لا تزال أكبر مستثمر أجنبي من حيث الحجم. واعتبر أن هذا التباين في وتيرة النمو ينبغي أن يثير قلق واشنطن وبرازيليا، لأن استمرار هذا الاتجاه سيعمّق اعتماد البرازيل على رأس المال الصيني، الأمر الذي قد ينعكس على مواقفها في السياسة الخارجية.
وأشار كو إلى أن السوق البرازيلي بات منصة استراتيجية للتوسع الصيني في أميركا الجنوبية، مستشهدًا بمصنع BYD العملاق في ولاية باهيا، الذي وصفه بأنه “أول وأكبر قاعدة تصنيع متكاملة” للشركة خارج الصين. وأضاف أن هذا المصنع سيُستخدم مركزًا للتصدير إلى دول الجوار، بما فيها الأرجنتين وأوروغواي، وقد بدأت خطوط الإنتاج بالفعل بإخراج أولى المركبات.
ويرى الكاتب أن هذا التوسع يمنح الصين ميزة خاصة داخل ميركوسور. فمن خلال التصنيع المحلي، يمكن للشركات الصينية استغلال قاعدة “45% من المدخلات غير التابعة لميركوسور” لوضع علامة “صنع في البرازيل”، مما يسمح لمنتجاتها بدخول أسواق مثل باراغواي—الحليف الدبلوماسي الأبرز لتايوان—دون قيود تُذكر. وأضاف كو أن ذلك يُضعف الموقع الاقتصادي لتايبيه في باراغواي من دون أي احتكاك مباشر بين الطرفين.
وأوضح الكاتب أن هذا التمدد ليس وليد المصادفة، فالبرازيل—خصوصًا تحت إدارة الرئيس لولا دا سيلفا—ترى في الصين شريكًا استراتيجيًا يتماشى مع توجهاتها نحو عدم الانحياز وتعزيز التعاون بين دول الجنوب. وقال كو إن زيارة لولا إلى بكين عام 2023، ودعوته لتسوية التجارة بالعملات المحلية بدل الدولار، تعكس رغبة برازيليا في دعم شراكة مالية أعمق مع الصين.
ولفت إلى أن هذا التعاون يحمل مخاطر على الاستقلال الاستراتيجي للبرازيل، خاصة مع انخراط الشركات الصينية في قطاعات الطاقة والنفط والسيارات. وأشار إلى دراسة أظهرت أن 34% من الاستثمارات الصينية تذهب لقطاع الكهرباء، بينما يذهب 25% لقطاع النفط. وأضاف أن دمج التكنولوجيا ورأس المال الصيني في شبكة الطاقة البرازيلية قد تكون له انعكاسات على باراغواي، خاصة أن البلدين يشتركان في إدارة محطة “إيتايبو” التي توفر 90% من الكهرباء لباراغواي.
وتابع كو أن الصين تبني نفوذًا طويل الأمد في صناعات استراتيجية تشمل الطاقة والمعادن والزراعة، وهي قطاعات تمنحها قدرة على إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية. ويرى أن تأثير هذا التمدد يتجاوز حدود البرازيل، ليطال مستقبل تايوان الدبلوماسي في المنطقة، خاصة مع تضييق الدائرة المتبقية من حلفائها.
وختم الكاتب تحليله محذرًا من أن واشنطن وتايبيه مطالبتان بالتحرك سريعًا، عبر تعزيز التعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع دول أميركا اللاتينية، وليس فقط مع الدول الصديقة لتايوان. وأضاف أن تجاهل هذا التحول قد يمكّن بكين من تثبيت موطئ قدم استراتيجي في البرازيل، يعيد رسم التحالفات الاقتصادية والسياسية في نصف الكرة الغربي لعقود قادمة.






