تسعى المملكة المغربية، لتعزيز قدراتها العسكرية، لمواجهة التحديات الإقليمية. وجاء إعلان شركة «تاتا للأنظمة المتقدمة» الهندية تسليم أول دفعة من مركبات WhAP 8×8 المدرعة للجيش الملكي المغربي، ليمثل مرحلة جديدة من الشراكة العسكرية بين الرباط ونيودلهي. هذا التطور لا يندرج فقط ضمن صفقات التسلح التقليدية، بل يندمج في رؤية استراتيجية أشمل تسعى من خلالها المملكة إلى توطين الصناعات الدفاعية، وتنويع مصادر التسليح، وتعزيز استقلالها العسكري في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
وفي منشور على منصة X، قالت Tata Advanced Systems: “لحظة فخر! تم تسليم أول دفعة من مركبات WhAP 8×8 للجيش الملكي المغربي، المملكة المغربية. تعزيز الشراكات، وتقديم قدرات مثبتة، وصناعة هندية في المغرب.” يعكس هذا التسليم الجهود المتواصلة لترسيخ مكانة منصة WhAP 8×8 المدرعة ذات العجلات، المصممة والمطورة محلياً في الهند، على الساحة الدفاعية العالمية.
تجارب في الصحراء
تم تطوير هذه المنصة بشكل مشترك بين منظمة أبحاث وتطوير الدفاع الهندية (DRDO) وTata Advanced Systems Limited (TASL)، وقد تم عرضها بشكل متزايد كرمز لـ”الابتكار الدفاعي الهندي”. وفي وقت سابق، نشرت DRDO في 25 سبتمبر على منصة X أن منصة WhAP “جاهزة لأخذ الابتكار الدفاعي الهندي إلى الساحة العالمية”، ونشرت صورًا للمنصة أثناء خضوعها لتجارب في الصحراء ومنطقة لاداخ، إلى جانب عروض توضيحية لقدراتها البرمائية.
كما أظهرت الصور نظام الأسلحة الذي يُتحكم فيه عن بُعد (RCWS) الخاص بالمنصة. وتعززت الزخم حول البرنامج أكثر في 23 سبتمبر، عندما افتتح وزير الدفاع الهندي راجناث سينغ ونظيره المغربي، الوزير عبد اللطيف لوديي، منشأة تصنيع دفاعية متطورة لشركة TASL في برشيد.
وحسب وكالات، وصف وزير الدفاع سينغ افتتاح منشأة برشيد بأنه “لحظة تاريخية في الشراكة الاستراتيجية المتطورة بين الهند والمغرب”، مضيفًا: “بالنسبة للهند، الاستقلالية الذاتية لا تعني العزلة؛ بل نهدف لتطوير استقلال استراتيجي تحت شعار Aatmanirbharta (الاكتفاء الذاتي). “إلى جانب ‘صنع في الهند’، نسعى أيضًا إلى ‘الصنع مع الأصدقاء’ و’الصنع للعالم’؛ وهذه المنشأة في المغرب مثال ساطع على هذا النهج.”
قدرة فائقة على الحركة والحماية
وأشار سينغ إلى أن المنشأة بدأت العمل قبل الموعد المحدد بثلاثة أشهر، لتكون أول مصنع دفاعي تؤسسه شركة هندية خاصة في إفريقيا، مشيرًا إلى أنها ستوفر فرص عمل كبيرة في مجال الدفاع وتساعد في خلق منظومة محلية من المهندسين والفنيين والموردين. “سيتم في البداية توفير وتجميع نحو ثلث المكونات والأنظمة الفرعية محليًا، على أن يرتفع نصيب القيمة المحلية المضافة إلى 50٪ خلال السنوات المقبلة.”
مركبة WhAP 8×8 هي مركبة قتالية حديثة ذات تصميم معياري، مصممة لتوفير قدرة فائقة على الحركة والحماية والتكيف مع مختلف المهام. وتتميز بهيكل موحد قابل للبقاء مع حماية باليستية وقائية ضد الألغام، ونظام تعليق مستقل، ونظام نفخ مركزي للإطارات، ومحرك قوي لأداء ممتاز على الطرق الوعرة. حسب بيان صادر عن وزارة الدفاع.
ويستخدم الجيش حاليًا مركبة الحماية المحمولة للمشاة (IPMV)، والتي تعمل بمحرك بقوة 600 حصان وتتميز بناقل حركة أوتوماتيكي بالكامل، ونظام RCWS عيار 7.62 ملم، ودروع باليستية إضافية من مواد مركبة، وحماية من الانفجارات للطاقم. بالإضافة إلى ذلك، تم إدخال نسخة شبه عسكرية من WhAP 8×8 بقدرات برمائية ضمن القوات شبه العسكرية، ما يبرز تعددية استخدام المنصة وتوسع نطاق عملياتها.
تأمين التوازن التكنولوجي والاستقلالية
وتعقيبًا على الحدث، أكد الخبراء أن المغرب رفع ميزانية الدفاع لسنة 2026 يواكب “سعيه نحو تمويل استيراد الأسلحة والعتاد المتطور، ومواصلة نهج تدعيم الصناعة الدفاعية”. مشددًا على أن التحولات العالمية الجارية تفرض نهجا جديدا يسير نحو الحروب السيبيرانية، وهو ما يستدعي ميزانية متكاملة، تهم أساسا تكوين الموارد البشرية.
وأكد الخبير المختص في الشؤون العسكرية، عبد الرحمن المكاوي، أن المملكة المغربية في السنوات الأخيرة تتجه نحو اقتناء أسلحة متطورة من الجيل الخامس، وهو توجه مكلف جدا لكنه يعكس رهان الدولة على رفع مستوى الكفاءة القتالية والتقنية للقوات المسلحة”. موضحًا أن هذا التوجه ظهر بوضوح في تقارير وتحليلات تحدثت عن مفاوضات وصفقات متقدمة لاقتناء منصات مقاتلة من الجيل الخامس. حسب هسبريس.
وتابع: “المراهنة على الكفاءة في هذه الأسلحة تستلزم انفتاحا على أسواق ومورّدين عدة لتأمين التوازن التكنولوجي والاستقلالية الإمدادية، وهو ما يفسّر تنامي اتصالات الرباط مع عدد من شركات ومعاهد صناعات الدفاع الدولية في آسيا وأوروبا وأمريكا”. كما أن مثل هذه الصفقات، وفق المتحدث، عادةً ما تتضمن بنودا للتدريب والتكوين في الخارج لرفع جاهزية الطواقم الفنية والطيارين.
تعاظم التحديات الأمنية
وفي السياق ذاته، أكد عبد الفتاح الفاتحي، مدير مركز الصحراء وإفريقيا للدراسات الاستراتيجية، إن “الرفع من ميزانية الدفاع المغربية يعكس تطورا مضطردا في السياسة الدفاعية للمغرب في السنوات الأخيرة، المبنية على التحديث الشامل وتعزيز السيادة العسكرية والأمنية”. موضحًا أن هذا التطور، “وإن كان يعكس تحولا بنيويا إلا أنه يبقى طبيعيا بالنظر إلى رهانات القوات المسلحة الملكية لمراقبة التحديات الأمنية في المنطقة”. حسب هسبريس.
وأضاف أن تعاظم التحديات الأمنية في المنطقة يفرض على المغرب وجود توجه استراتيجي نوعي يروم تقوية القدرات العسكرية لحماية الحدود ومقومات الأمن القومي وتأمين باقي المصالح الاستراتيجية بما يتوافق ومكانته كقوة إقليمية صاعدة”. موضحًا أن هذا التطور في ميزانية الدفاع يترجم أجرأة مبادئ الاستراتيجية العسكرية، عبر مواصلة تعزيز القدرات العسكرية والدفاعية والأمنية، وذلك من خلال تحديث الترسانة العسكرية لتأهيل القوات المسلحة الملكية لتواكب التحديات الإقليمية الجديدة وضمان الجاهزية في مواجهة مختلف التهديدات المحتملة”.
صفقة استراتيجية
وكانت القوات المسلحة الملكية المغربية، قد وقعت صفقة استراتيجية مع شركة “تاتا أدفانسد سيستمز ليميتد” الهندية لتزويد الجيش بمركبات مدرعة من طراز “WhAP 8×8″، ضمن خطة طويلة المدى لتحديث معدات الجيش المغربي وتحقيق المملكة اكتفائها الذاتي في الصناعات العسكرية، فيما يُظهر المغرب التزامه بتعزيز قدراته الدفاعية وتحقيق استقلاليته في هذه الصناعات، وهو ما يضعه في موقع قوي لتلبية احتياجاته الأمنية، ويجعله لاعبًا رئيسيًا في سوق الدفاع الإفريقي.
وتتضمن الصفقة تصدير 150 وحدة في مرحلة أولى، سيتم تصنيعها محليا عبر شركة “تاتا أدفانسد سيستمز المغرب” (TASM) مما يمهد الطريق لإنتاج أكثر من 400 مركبة على المدى الطويل، مع زيادة نسبة المكونات المحلية من 35 بالمئة إلى 50 بالمئة، حيث ستشكّل خطوة هامة نحو تقليل الاعتماد على الواردات الأجنبية وتعزيز مكانة المغرب كمركز إقليمي للصناعات الدفاعية.
وتسعى الرباط إلى جذب الشركات العالمية المتخصصة في الصناعات العسكرية للاستثمار في البلاد، وذلك من خلال تقديم حوافز وتسهيلات استثمارية، فضلا عن ابرام شراكات مع دول عدة لتطوير هذه الصناعات محلياً، من أبرزها الشراكة الأمنية المغربية-الأميركية والتعاون المغربي-الصيني.






