تحتل الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى مساحة واسعة في الصحافة البريطانية، حيث تحاول كبريات الصحف تحليل أبعادها السياسية والعسكرية، واستشراف تداعياتها المحتملة على مستقبل المنطقة والنظام الدولي.
فلا يقتصر النقاش في الصحف البريطانية على متابعة العمليات العسكرية، بل يمتد إلى طرح أسئلة أعمق حول جدوى هذه الحرب، وإمكانية تحقيق أهدافها السياسية، خاصة ما يتعلق بإضعاف النظام الإيراني أو تغييره. وفي هذا السياق، برزت تحليلات عديدة تتساءل عما إذا كانت واشنطن تمتلك بالفعل تصوراً واضحاً لما سيأتي بعد الحرب.
فايننشال تايمز: هل لدى ترامب خطة حقيقية لمستقبل إيران؟
في هذا الإطار، نشر الكاتب البريطاني جدعون راشمان مقالاً في صحيفة فايننشال تايمز بعنوان: “ترامب ليس لديه خطة واقعية لمستقبل إيران”، تناول فيه ما يراه خللاً أساسياً في الاستراتيجية الأمريكية الحالية.
يرى راشمان أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يستوعب بشكل كامل الدروس التي خلفتها حروب تغيير الأنظمة في العراق وأفغانستان، وهي الحروب التي أثبتت أن إسقاط الأنظمة بالقوة العسكرية لا يعني بالضرورة القدرة على بناء نظام سياسي مستقر بعد ذلك.
وبحسب تحليله، فإن التجربتين الأمريكية في أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003 أظهرتا المخاطر العميقة التي تنطوي عليها استراتيجيات تغيير الأنظمة بالقوة، حتى عندما تكون تلك العمليات مصحوبة بتخطيط طويل الأمد واستعداد لنشر قوات برية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.
حرب بلا قوات برية… تجربة بلا سابقة
في العراق وأفغانستان، كانت الولايات المتحدة مستعدة لإرسال مئات الآلاف من الجنود إلى الأرض، ليس فقط لإسقاط الحكومات القائمة، بل أيضاً لإدارة مرحلة انتقالية طويلة هدفت إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة.
لكن الوضع في إيران يبدو مختلفاً تماماً. فإدارة ترامب لا تُظهر أي استعداد لإرسال قوات برية إلى الأراضي الإيرانية، وهو قرار يعكس إلى حد كبير تأثير التجارب المريرة للحربين السابقتين في الرأي العام الأمريكي.
غير أن هذا الخيار يطرح معضلة استراتيجية جديدة: إذ تحاول الولايات المتحدة تحقيق هدف كبير – يتمثل في إضعاف النظام الإيراني أو تغييره – اعتماداً على القوة الجوية فقط، وهي استراتيجية لم يسبق اختبارها بهذا الشكل في التاريخ الحديث.
ويرى راشمان أن محاولة تحقيق تغيير سياسي جذري عبر الضربات الجوية وحدها قد تكون مغامرة غير محسوبة النتائج.
مخاطر إقليمية تتجاوز حدود إيران
لا تتوقف المخاطر المحتملة للحرب عند الداخل الإيراني فقط، بل تمتد إلى المنطقة بأسرها. فإذا أدت الضربات العسكرية إلى إضعاف الدولة الإيرانية بشكل كبير دون وجود بديل سياسي واضح، فقد تنزلق البلاد إلى حالة من الفوضى.
وهذا السيناريو قد يخلق تداعيات خطيرة على دول الخليج المجاورة، التي قد تجد نفسها أمام بيئة أمنية أكثر اضطراباً، خاصة إذا امتد الصراع إلى البنية النفطية أو طرق الملاحة الحيوية في الخليج.
كما أن أي اضطراب كبير في إيران قد يؤدي إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط، وهي نتيجة قد تنعكس سلباً حتى على المصالح الأمريكية نفسها.
حسابات داخلية معقدة في واشنطن
يشير راشمان أيضاً إلى أن إدارة ترامب تواجه تحديات سياسية داخلية كبيرة في ما يتعلق بالحرب على إيران. فمستوى التأييد الشعبي الأمريكي للعملية العسكرية يبدو محدوداً مقارنة بالدعم الكبير الذي حظي به غزو العراق وأفغانستان في بدايتهما.
ويعكس هذا التراجع في الدعم الشعبي تغيراً واضحاً في المزاج السياسي داخل الولايات المتحدة، حيث أصبح الرأي العام أكثر حذراً تجاه الحروب الخارجية، خاصة تلك التي قد تتحول إلى صراعات طويلة ومكلفة.
وبحسب الكاتب، فإن المجتمع الأمريكي يبدو اليوم أكثر وعياً بتكاليف التدخلات العسكرية، وهو ما يجعل أي حرب جديدة في الشرق الأوسط محل تدقيق شديد من قبل الناخبين.
هل تعلمت الولايات المتحدة دروس حروبها السابقة؟
في ختام تحليله، يرى جدعون راشمان أن التجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان تركت أثراً عميقاً في الوعي السياسي الأمريكي، سواء لدى صناع القرار أو لدى الرأي العام.
فبعد عقدين من الحروب المكلفة، يبدو أن الأمريكيين أصبحوا أكثر تشككاً في جدوى التدخلات العسكرية التي تهدف إلى تغيير الأنظمة في الخارج.
لكن المفارقة، كما يطرحها الكاتب، تكمن في أن الحرب الحالية على إيران قد تعيد الولايات المتحدة إلى نفس الإشكالية القديمة: محاولة تغيير التوازنات السياسية في الشرق الأوسط دون امتلاك رؤية واضحة لما سيحدث بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وهذا السؤال – المتعلق بمرحلة ما بعد الحرب – قد يكون في النهاية العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت هذه الحرب ستنجح في تحقيق أهدافها أم ستنضم إلى قائمة الحروب الطويلة التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط دون أن تحقق الاستقرار الذي وعدت به.






