تتصاعد الأزمة في لبنان مع ازدياد وتيرة الضربات الإسرائيلية داخل القرى والبلدات الجنوبية، في مشهد يعيد إلى الأذهان المراحل الأكثر اشتعالاً من الصراع بين إسرائيل و«حزب الله»، ويكشف في الوقت نفسه عن تحوّلٍ واضح في قواعد الاشتباك التي كانت سائدة منذ حرب يوليو (تموز) 2006. لم يعد المشهد مقتصراً على عمليات محدودة في أطراف المناطق الحدودية، بل تمدّدت الغارات إلى عمق النسيج المدني، لتطال السيارات والمنازل والمراكز الحيوية في قلب البلدات الجنوبية، في تغيير جوهري لطبيعة الحرب التي تُخاض على الأرض اللبنانية.
في الأيام الأخيرة، بدت الصورة أكثر مأساوية مع نزوح آلاف السكان من قراهم تحت وطأة الإنذارات المسبقة وطلبات الإخلاء، التي سرعان ما تتبعها غارات مدمّرة. مشاهد الطيبة وبنت جبيل وبرعشيت أصبحت عنواناً لمرحلة جديدة من التصعيد، حيث لم تعد أي منطقة بمنأى عن الاستهداف، ما يذكّر اللبنانيين بالمآسي المتكررة التي شهدها الجنوب في مراحل سابقة من النزاع. ورغم أنّ يوم الجمعة اتسم بهدوء نسبي بعد تصعيد غير مسبوق، فإن عودة القصف في اليوم التالي كانت كفيلة بتبديد أي أمل باستقرار مؤقت.
انهيار قواعد الاشتباك وضرب المناطق المأهولة
هذا التحوّل الميداني لم يأت من فراغ، بل يعكس قراراً إسرائيلياً متعمّداً بتغيير نمط المواجهة، وهو ما يصفه مراقبون بأنه انتقال من الحرب «الاحتوائية» إلى الحرب «الردعية» الشاملة، التي تستهدف البنية الاجتماعية نفسها للبيئة الحاضنة لـ«حزب الله». فمنذ أشهر، لم تعد الضربات تقتصر على مواقع عسكرية أو مستودعات أسلحة كما في السابق، بل امتدت إلى عمق المناطق المأهولة، من النبطية إلى زبدين والدوير، وصولاً إلى مجزرة بنت جبيل في سبتمبر (أيلول) الماضي التي أودت بحياة عدد من المدنيين، بينهم ثلاثة أطفال.
يعكس هذا التصعيد انهياراً تدريجياً لما كان يُعرف بـ«قواعد الاشتباك» غير المعلنة بين الطرفين، والتي كانت تقوم على الفصل النسبي بين الأهداف العسكرية والمدنية. فإسرائيل التي كانت تحرص في السابق على تقليل الخسائر الجانبية تفادياً لضغوط دولية، باتت اليوم تضرب داخل الأحياء المأهولة دون تردّد، مبرّرة ذلك بأنّ «الضرر الجانبي» جزء من ثمن الحرب على «الإرهاب». وبهذا المنطق، انتقلت المواجهة إلى مستوى جديد يجعل المدنيين وقوداً مباشراً للصراع، في محاولة لتقويض الروابط الاجتماعية التي يستند إليها الحزب في الجنوب.
يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أنّ هذا التحول لا يعني تغيّراً جذرياً في الأهداف الإسرائيلية، بل هو امتداد لاستراتيجية ثابتة تسعى إلى إخضاع «محور الممانعة» الممتد من إيران إلى لبنان عبر سوريا والعراق واليمن. فبحسب تقديره، فإنّ تل أبيب تركز حالياً على ضمان أمن مستوطنيها في الشمال، وهي مستعدة لتحقيق هذا الهدف عبر تكثيف الضربات المركّزة ضد ما تعتبره أهدافاً عسكرية، حتى لو كان ذلك داخل مناطق مأهولة. ويضيف قزح أنّ إسرائيل تعتمد «مقاربة مزدوجة» تقوم على الضغط العسكري والحرب النفسية، إذ ترى أن تكثيف الخسائر في صفوف المدنيين قد يؤدي إلى زعزعة الدعم الشعبي لـ«حزب الله» ودفع جزءٍ من جمهوره إلى التساؤل عن جدوى استمرار المواجهة في ظل غياب ردٍّ حاسم يغيّر المعادلة الميدانية.
توازنات سياسية وأمنية معقدة
اللافت أنّ إسرائيل لا تخفي هذا التوجّه، بل ترافقه بحملة خطابية وسياسية تشدد على ضرورة «تحييد الخطر» في لبنان قبل أن يتحوّل إلى تهديد وجودي. التقارير العبرية الأخيرة تنقل عن مصادر أمنية قلقاً متزايداً من تعاظم قدرات «حزب الله»، خصوصاً في الشمال اللبناني، مشيرة إلى أنّ الامتناع الإسرائيلي عن استهداف بيروت «قد لا يدوم» إذا استمر الحزب في تعزيز مواقعه. كما تحدّثت تقارير استخباراتية عن استعادة جزئية لشبكات الإمداد عبر سوريا والعراق، وهو ما تعتبره إسرائيل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، فيما يواجه الجيش اللبناني صعوبات في ضبط هذه الأنشطة بسبب ضعف إمكاناته الميدانية وتحدياته الداخلية.
في المقابل، تبدو الدولة اللبنانية شبه غائبة عن مسرح الأحداث. فالقرارات الحكومية التي صدرت في الأشهر الماضية، ولا سيما قرار الخامس من أغسطس (آب) المتعلق بحصرية السلاح بيد الدولة، بقيت حبراً على ورق، في ظل توازنات سياسية وأمنية معقدة تمنع تطبيقها. هذه الازدواجية في المرجعيات العسكرية تجعل لبنان ساحة مفتوحة للتصعيد، إذ ترى إسرائيل في غياب سلطة مركزية فاعلة مبرّراً لمواصلة عملياتها أينما رأت ضرورة لذلك، سواء في الجنوب أو في مناطق أبعد كالبقاع والجبل وكسروان.
من الناحية السياسية، يعيد هذا التصعيد خلط الأوراق الداخلية في لبنان. فبينما تزداد الانتقادات الشعبية الموجّهة إلى «حزب الله» بسبب كلفة المواجهة البشرية والمادية، يحاول الحزب الحفاظ على معادلة «الردع المتبادل» دون الانزلاق إلى حرب شاملة، إدراكاً منه أن مثل هذه الحرب قد تجر البلاد إلى كارثة غير مسبوقة. لكن هذا التوازن الهشّ يبدو مهدداً، إذ كلما توسّعت الضربات الإسرائيلية داخل المناطق المدنية، زاد الضغط على الحزب للردّ بطريقة أكثر عنفاً، وهو ما قد يؤدي إلى انفجار الموقف في أي لحظة.
إيران على الساحة
على الصعيد الإقليمي، يأتي التصعيد في لبنان متزامناً مع تطورات ميدانية في غزة وسوريا والعراق واليمن، ضمن سياق إقليمي متشابك. فتل أبيب تعتبر أنّ أي تراجع في الضغط على «حزب الله» سيتيح لإيران تعزيز حضورها في الساحة اللبنانية، الأمر الذي تراه تهديداً مباشراً لأمنها الاستراتيجي. ومن هذا المنطلق، يبدو التصعيد الإسرائيلي في لبنان جزءاً من معركة أوسع تهدف إلى إعادة رسم ميزان القوى في المنطقة، وليس مجرد ردٍّ موضعي على عمليات محدودة عبر الحدود.
غير أن هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار الداخلي اللبناني. فاستهداف القرى والبلدات يدفع إلى موجات نزوح جديدة في ظل أزمة اقتصادية خانقة، ويهدد بتفكك النسيج الاجتماعي في الجنوب، حيث يعاني السكان من فقدان الخدمات الأساسية وارتفاع أسعار المواد الغذائية والمحروقات. كما أنّ تصاعد الضربات يضع الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل» أمام تحدّيات ميدانية كبيرة، بين واجب حماية المدنيين ومحدودية القدرة على التدخل لوقف الانتهاكات.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن لبنان يقف على حافة مرحلة جديدة من الصراع، تتداخل فيها الأبعاد العسكرية بالسياسية والاجتماعية. فإسرائيل تسعى إلى فرض معادلة «الأمن مقابل الردع الكامل»، بينما يحاول «حزب الله» الحفاظ على موقعه كقوة مقاومة دون خسارة حاضنته الشعبية، في وقت يعاني فيه النظام اللبناني من شلل مؤسساتي يمنع أي استجابة فعّالة للأزمة.
لبنان تواجه ضغطًا مزدوجًا
الاحتمالات المستقبلية تبقى مفتوحة على أكثر من سيناريو. فاستمرار الغارات بوتيرتها الحالية قد يؤدي إلى انهيار شامل في الجنوب ونزوح جماعي إلى الداخل اللبناني، ما سيخلق أزمة إنسانية جديدة تضاف إلى سلسلة أزمات البلاد. أما في حال توسعت المواجهة لتشمل العاصمة أو مناطق الشمال، فإن لبنان قد يجد نفسه في مواجهة حرب مدمّرة تفوق قدرته على الاحتمال.
في المقابل، لا يستبعد بعض المحللين أن تسعى الأطراف الدولية، ولا سيما واشنطن وباريس، إلى احتواء التصعيد عبر وساطات غير معلنة، تجنّب المنطقة مواجهة شاملة في ظل انشغال العالم بملفات أخرى كأوكرانيا وغزة والبحر الأحمر. غير أن نجاح مثل هذه الوساطات يتطلب أولاً وجود إرادة لبنانية داخلية لتوحيد الموقف وتثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، وهو ما يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن.
هكذا، تبدو الأزمة في لبنان اليوم انعكاساً لمعادلة أكبر من حدود الجغرافيا اللبنانية نفسها. فهي ليست فقط حرباً بين إسرائيل و«حزب الله»، بل اختباراً لمستقبل الدولة اللبنانية وقدرتها على الصمود أمام ضغط مزدوج: خارجي يفرضه القصف المستمر، وداخلي يتمثل في الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي. ومع استمرار هذا الوضع، يصبح الجنوب اللبناني مرآة لصراعٍ إقليمي مفتوح، عنوانه المعلن هو الأمن، لكن جوهره الحقيقي هو إعادة تعريف موازين القوة في المنطقة.






