دخلت الساحة اللبنانية مرحلة شديدة الحساسية بعد يوم دامٍ شهد تصعيداً عسكرياً واسعاً بين إسرائيل و«حزب الله»، ما أثار مخاوف متزايدة من انهيار الهدنة القائمة وانزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تمتد تداعياتها إلى الشرق الأوسط بأكمله.
وفي ظل التطورات الميدانية المتسارعة، تكثفت الاتصالات اللبنانية والإقليمية والدولية خلال الساعات الماضية في محاولة لاحتواء الأزمة ومنع تفجر الأوضاع، وسط تحركات دبلوماسية مكثفة شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية مؤثرة.
اتصالات دولية عاجلة لاحتواء التصعيد
وكشفت مصادر رسمية لبنانية أن الرئيس جوزيف عون أطلق منذ ساعات الصباح سلسلة واسعة من الاتصالات الدولية مع عدد من الدول الفاعلة والمؤثرة، بهدف خفض حدة التوتر والضغط من أجل الالتزام بوقف إطلاق النار ومنع تدهور الأوضاع الأمنية فب لبنان.
وتأتي هذه التحركات في وقت تتزايد فيه المخاوف من انهيار التفاهمات الأمنية التي ساهمت خلال الأشهر الماضية في الحد من التصعيد على الحدود الجنوبية للبنان.
وفي تطور لافت، أعلن مسؤول أميركي أن الجهود الدبلوماسية أثمرت التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، موضحاً أن المفاوضين الأميركيين والقطريين نجحوا في التوصل إلى تفاهم بين الأطراف المعنية بمساعدة مباشرة من إيران.
ويُنظر إلى هذا الاتفاق باعتباره فرصة مهمة لاحتواء الأزمة الحالية، إلا أن نجاحه يبقى مرهوناً بمدى التزام الأطراف المتصارعة بتنفيذه على الأرض، خصوصاً بعد الأحداث العسكرية العنيفة التي شهدتها الساعات الأخيرة.
طهران تضغط لوقف شامل لإطلاق النار
وعلى الجانب السياسي، كشفت مصادر مقربة من «حزب الله» أن إيران أبلغت الحزب بشكل واضح أن المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة لا يمكن أن تستمر في ظل استمرار العمليات العسكرية، مشددة على ضرورة تنفيذ وقف شامل لإطلاق النار.
وتعكس هذه الرسائل حجم القلق الإقليمي من اتساع دائرة المواجهة، خاصة في ظل التداخل بين الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية في المنطقة.
150 غارة إسرائيلية تضرب الجنوب والبقاع
وميدانياً، شهد لبنان واحدة من أعنف موجات التصعيد خلال الفترة الأخيرة، بعدما نفذ الجيش الإسرائيلي نحو 150 غارة جوية استهدفت مناطق متعددة في جنوب لبنان وشرقه.
وأسفرت الضربات عن سقوط 47 قتيلاً وعشرات الجرحى، وفق حصيلة أولية، فيما تسببت الغارات في موجات نزوح جديدة من القرى الحدودية باتجاه المناطق الأكثر أمناً، خصوصاً العاصمة بيروت ومدينة صيدا.
وأظهرت المشاهد الميدانية شاحنات وسيارات محملة بالعائلات الفارة من القصف، في مشهد أعاد إلى الأذهان فترات التصعيد السابقة التي شهدتها الحدود اللبنانية الجنوبية.
وجاء التصعيد الإسرائيلي عقب اشتباكات عنيفة بين القوات الإسرائيلية وعناصر من «حزب الله» في منطقة كفر تبنيت شرق مدينة النبطية.
وبحسب المعلومات المتداولة، أسفرت المواجهات عن مقتل أربعة عسكريين إسرائيليين أثناء محاولة التقدم نحو تلة علي الطاهر، وهي منطقة استراتيجية تشهد توتراً مستمراً بسبب موقعها الجغرافي الحساس.
وأكد الجيش الإسرائيلي أن عملياته العسكرية تأتي في إطار مواجهة ما وصفه بمحاولات «حزب الله» منع قواته من تنفيذ مهامها المتعلقة بتدمير القدرات العسكرية للحزب.
نتنياهو: لن نتسامح مع أي هجوم على جنودنا
من جانبه، أطلق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصريحات حازمة أكد خلالها أن إسرائيل لن تتسامح مع أي هجمات تستهدف جنودها أو أراضيها.
وأشار نتنياهو إلى أن القوات الإسرائيلية قد تستمر في البقاء داخل ما وصفه بـ«المنطقة الأمنية» في جنوب لبنان إذا اقتضت الضرورات العسكرية ذلك، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على إمكانية استمرار التوتر الميداني رغم الجهود السياسية الجارية.
وفي المقابل، وصفت وسائل إعلام إسرائيلية الساعات الماضية بأنها من أصعب الليالي التي شهدتها الجبهة الشمالية منذ فترة طويلة، في ظل الخسائر العسكرية التي تعرضت لها القوات الإسرائيلية والاشتباكات المكثفة مع عناصر «حزب الله».
ويرى مراقبون أن التطورات الأخيرة تمثل اختباراً حقيقياً للجهود الدبلوماسية الجارية، خاصة أن أي خرق جديد لوقف إطلاق النار قد يدفع الأوضاع نحو مواجهة أكثر اتساعاً يصعب احتواؤها.
هل تنجح الوساطات في منع حرب جديدة؟
ويبقى السؤال الأهم المطروح حالياً: هل تستطيع الاتصالات الدولية والإقليمية تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انزلاق لبنان وإسرائيل إلى حرب مفتوحة؟
الإجابة ستتوقف إلى حد كبير على مدى نجاح الوسطاء في ترجمة التفاهمات السياسية إلى التزامات ميدانية، في وقت تعيش فيه المنطقة واحدة من أكثر مراحلها توتراً وتعقيداً، وسط مخاوف من أن أي خطأ في الحسابات قد يشعل جبهة جديدة تحمل تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميين.




