في خطوة وُصفت بأنها الأكثر جرأة في السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط منذ أكثر من عقد، عقد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو اجتماعًا ثلاثيًا في واشنطن مع نظيريه السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان، بعد الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض.
واشنطن تفتح الباب أمام “دمشق الجديدة”
اللقاء لم يكن بروتوكوليًا فحسب، بل حمل بين سطوره تحولات استراتيجية كبرى، تتجاوز مجرد التعاون الأمني إلى إعادة صياغة العلاقات الإقليمية في منطقة تتأرجح بين التسويات والنزاعات.
لم يكن من المتوقع أن تشهد الدبلوماسية الأميركية هذا التحول السريع في التعامل مع دمشق، خصوصًا بعد سنوات طويلة من العقوبات والعزلة، غير أن اللقاء الثلاثي كشف عن ملامح رؤية أميركية جديدة، تتعامل مع سوريا ليس كخصم يجب عزله، بل كشريك محتمل في تحقيق استقرار إقليمي طال انتظاره.
واشنطن، التي أدركت أن سياسات الاحتواء والعقوبات لم تعد تحقق أهدافها، تسعى اليوم لفتح صفحة جديدة مع القيادة السورية عبر قنوات متعددة، أبرزها التعاون في مكافحة الإرهاب، وضمان انسجام هذا التقارب مع مصالح تركيا، الحليف الأطلسي الذي يملك تأثيرًا مباشرًا على الملف السوري.
ويبدو أن إدارة الرئيس دونالد ترمب، التي تتبنى براغماتية صارمة في سياستها الخارجية، تسعى لتوظيف هذا الانفتاح لصالحها على المستويين الأمني والسياسي، لتقليص نفوذ موسكو وطهران في المشهد السوري، وقد عكست تصريحات روبيو هذا التوجه حين شدد على “أهمية الشراكة الإقليمية لدعم جهود إعادة الإعمار في سوريا”.
هذا التغير لا ينفصل عن الواقع الميداني؛ فواشنطن تدرك أن تثبيت الاستقرار في سوريا لم يعد ممكنًا دون التنسيق مع دمشق نفسها، خصوصًا في ظل تعقيدات الوجود العسكري الروسي والإيراني، والمصالح التركية في الشمال السوري.
تركيا بين شريكين متناقضين
من اللافت أن اللقاء الثلاثي أعاد تسليط الضوء على الدور التركي كمحور توازن بين الولايات المتحدة وسوريا، بعد أعوام من التوتر والاصطفاف.
أنقرة، التي ظلت طيلة السنوات الماضية تمسك العصا من المنتصف بين واشنطن وموسكو، تبدو اليوم أقرب إلى مقاربة أكثر مرونة، تحافظ من خلالها على مصالحها الأمنية والاقتصادية، دون خسارة موقعها الاستراتيجي كدولة عبور بين الشرق والغرب.
خلال الاجتماع، أكد هاكان فيدان أهمية “تحقيق توازن بين مكافحة الإرهاب واحترام سيادة الدول”، وهي عبارة فُسرت في واشنطن على أنها إشارة إلى استعداد أنقرة للانخراط في تفاهمات أوسع، طالما أنها لا تمس الأمن القومي التركي في الشمال السوري.
لكن ما يميز هذا اللقاء أنه جاء في وقتٍ تسعى فيه تركيا لاستعادة مكانتها كضامن رئيسي لأي حل سياسي في سوريا، بعد تراجع نفوذها أمام موسكو وطهران، ومن هنا، يبدو أن واشنطن تراهن على الدور التركي كجسر يمكن أن يربطها مجددًا بدمشق، في إطار تفاهمات أمنية أوسع.
ويعتقد مراقبون أن اللقاء قد يكون بداية لتأسيس “قناة اتصال دائمة” بين العواصم الثلاث، خصوصًا في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة التي فرضت واقعًا جديدًا، تتداخل فيه المصالح أكثر مما تتصادم.
الأمن أولاً.. ثم السياسة
على الرغم من أن البيان الأميركي الرسمي ركّز على “تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين”، إلا أن خلف الكواليس كان واضحًا أن الملف الأمني هو المحرك الحقيقي وراء هذا الانفتاح، فالمباحثات تناولت – بحسب مصادر مطلعة – انضمام سوريا رسميًا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش، في خطوة تحمل رمزية كبرى بعد سنوات من القطيعة.
انضمام دمشق إلى التحالف يُعدّ تحولًا جذريًا في النظرة الأميركية لسوريا، إذ يعني ضمنيًا اعترافًا بدورها المركزي في محاربة التنظيمات المتطرفة التي ما زالت تنشط في بعض المناطق الحدودية، وهو أيضًا رسالة إلى موسكو وطهران بأن واشنطن قادرة على إعادة صياغة تحالفات جديدة دون المرور عبر القنوات التقليدية.
هذا التعاون الأمني المحتمل قد يفتح الباب أمام تفاهمات أوسع تتعلق بعودة اللاجئين، وإعادة الإعمار، وترتيب الوجود العسكري في الشرق السوري، ومن غير المستبعد أن يؤدي هذا التقارب إلى تنسيق ميداني محدود بين القوات الأميركية والسورية في إطار عمليات مكافحة الإرهاب.
لكنّ الملف الأمني، وإن كان مدخل التقارب، إلا أنه ليس هدفه النهائي، بل خطوة أولى ضمن إستراتيجية أميركية أوسع لإعادة دمج سوريا تدريجيًا في النظام الإقليمي، بما يخدم مصالح واشنطن ويقلل من نفوذ خصومها.
زيارة الشرع.. مفصل التحول
الزيارة التاريخية للرئيس السوري أحمد الشرع إلى البيت الأبيض شكّلت لحظة سياسية فاصلة، أعادت رسم الخطوط العريضة للعلاقات بين البلدين، فقد سبقتها مفاوضات سرية طويلة شاركت فيها أطراف عربية وغربية، تمهيدًا لهذا الانفتاح المدروس الذي يتعامل مع دمشق كجزء من الحل لا كسبب للأزمة.
وفقًا لمصادر دبلوماسية، فإن اللقاء بين الشرع والرئيس الأميركي ترمب تناول ملفات متعددة، أبرزها ملف المفقودين الأميركيين في سوريا، وآفاق إعادة الإعمار، وملف اللاجئين، إلى جانب اتفاق مبدئي على إطلاق “آلية تعاون أمنية مشتركة”.
ويبدو أن واشنطن تراهن على “الشرع” كشريك إصلاحي قادر على فتح قنوات سياسية جديدة مع الغرب، خصوصًا أنه يمثل جيلاً جديدًا من القيادة السورية التي تسعى لتجاوز عقدين من المواجهة.
هذه الرهانات تعكس قناعة أميركية بأن عزل دمشق لم يعد مجديًا، وأن الحوار معها أفضل من تركها في فلك موسكو وطهران.
الزيارة لم تكن رمزية فقط، بل كانت بمثابة إعلان رسمي عن نهاية مرحلة “القطيعة السياسية”، وبداية مرحلة “الاختبار الدبلوماسي”، التي سيتحدد على أساسها مستقبل العلاقة بين البلدين.
رؤية واشنطن الجديدة تجاه دمشق
تؤكد أوساط سياسية في العاصمة الأميركية أن إدارة ترمب وضعت تصورًا جديدًا للتعامل مع الملف السوري يقوم على ثلاثة محاور رئيسية: مكافحة الإرهاب، احتواء النفوذ الإيراني، وتثبيت الاستقرار الإقليمي عبر شراكات مدروسة.
هذا التصور يعني أن واشنطن لم تعد ترى في دمشق خصمًا مطلقًا، بل طرفًا يمكن تطويعه لخدمة أهداف أكبر.
كما يشير مراقبون إلى أن اللقاء الثلاثي يعكس أيضًا إدراك واشنطن أن التوازنات الإقليمية تغيّرت، وأن تجاهل دمشق لم يعد ممكنًا في ظل الانفتاح العربي المتزايد عليها، خصوصًا بعد قمة الرياض الأخيرة التي أعادت سوريا رسميًا إلى مقعدها في الجامعة العربية.
من ناحية أخرى، فإن الجانب الاقتصادي لا يمكن فصله عن هذا الانفتاح، إذ تبحث الشركات الأميركية عن فرص للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار، وهو ما يتطلب تخفيف العقوبات أو إعادة النظر في “قانون قيصر”، وهذه الخطوات ستكون تدريجية، لكنها مرجحة إذا أثبتت دمشق التزامها بالاتفاقات الأمنية.
في المقابل، تحاول الإدارة الأميركية الموازنة بين هذا الانفتاح وبين تطمين حلفائها في المنطقة، خصوصًا إسرائيل، بأن أي تقارب مع سوريا لن يأتي على حساب أمنهم أو المصالح الاستراتيجية المشتركة.
سر التحول الأميركي
يقول الخبير في الشؤون الأميركية الدكتور سامي خليل إن اللقاء الثلاثي يشير إلى “تحول واقعي” في السياسة الخارجية الأميركية، بعيدًا عن الشعارات القديمة التي كانت تربط كل علاقة بملف حقوق الإنسان أو التغيير السياسي.
ويضيف خليل أن إدارة ترمب “تتحرك وفق منطق المصلحة البحتة”، وأن التقارب مع دمشق ليس مكافأة، بل أداة لخلق توازن جديد في الشرق الأوسط، يحد من تغوّل النفوذ الروسي والإيراني معًا، وهذا التقارب، برأيه، “يشبه ما فعلته واشنطن سابقًا مع فيتنام بعد الحرب، عندما حولت العدو إلى شريك تدريجيًا”.
ويرى الخبير أن “العامل التركي” كان حاسمًا في إقناع واشنطن بجدوى هذا المسار، إذ وفّر غطاءً سياسيًا وميدانيًا للتحرك الأميركي، من دون أن يُفسّر على أنه تراجع استراتيجي أو تنازل أمام دمشق، ويشير إلى أن أنقرة “تجيد لعب دور الوسيط الذي يرضي الجميع دون أن يخسر أحد”.
ويختم خليل تحليله بالقول إن هذا اللقاء ليس مجرد اجتماع دبلوماسي، بل خطوة أولى في مسار طويل قد يعيد رسم التحالفات الإقليمية بالكامل خلال السنوات المقبلة، إذا ما تم البناء عليه بذكاء.
أميركا تعترف بالواقع
أما الخبير السوري في العلاقات الدولية الدكتور نضال الزعبي فيرى أن اللقاء الثلاثي يمثل “إقرارًا أميركيًا بالواقع الجديد في سوريا”، بعد فشل كل محاولات العزل السياسي والعقوبات الاقتصادية في إحداث تغيير فعلي.
ويقول الزعبي إن “دمشق استطاعت الصمود بفضل دعم حلفائها، لكنها تدرك أن الانفتاح الأميركي هو فرصة لتثبيت الاستقرار وكسر العزلة الاقتصادية”، مشيرًا إلى أن القيادة السورية “تتعامل ببراغماتية، وتدرك أن الحوار مع واشنطن لا يعني التنازل، بل توسيع دائرة الخيارات”.
ويضيف أن انضمام سوريا للتحالف الدولي ضد داعش “يمثل عودة سوريا إلى الساحة الدولية كشريك في محاربة الإرهاب، وليس كدولة متهمة بدعمه”، ما يمنحها هامش حركة أوسع في علاقاتها الإقليمية والدولية.
ويعتبر الزعبي أن المرحلة المقبلة “ستكون اختبارًا للنوايا الأميركية”، فإما أن تثبت واشنطن جدية في دعم الاستقرار، أو تعود إلى سياسات الضغط والمساومة، وفي الحالتين، فإن دمشق هذه المرة تدخل اللعبة من موقع أقوى مما كانت عليه قبل عقد من الزمن.






