تستعيد صحيفة مودرن ديبلوماسي الإلكترونية، في تحليل معمّق، سؤالًا طرحه الاتحاد السوفيتي على نفسه في ذروة الحرب الباردة عام 1961 عبر أغنية شهيرة حملت عنوان: «هل يريد الروس الحرب؟». لم يكن السؤال آنذاك بلاغيًا أو دعائيًا، بل تعبيرًا عن ذاكرة جمعية مثقلة بالفقد والدمار. فالأغنية، بحسب الصحيفة، لم تتوسل خطابًا أيديولوجيًا أو حسابات جيوسياسية، بل استحضرت تجربة إنسانية قاسية: مجتمع منهك، عائلات ممزقة، وأجيال اضطرت لأن تحل محل آبائها وإخوتها في المصانع بعد أن حصدتهم الحرب العالمية الثانية.
وتوضح مودرن ديبلوماسي أن تلك الأغنية لم تكن مسالمة بالمعنى التجريدي، بل مناهِضة للحرب لأنها كانت تعرفها معرفةً مباشرة، جسدية وديموغرافية، لا نظرية ولا رومانسية. كانت رسالة جيل يريد ألّا تتكرر الكارثة.
بعد أكثر من ستة عقود، ومع عودة مفردات التفاوض والهدنة ووقف إطلاق النار إلى التداول بشأن الحرب الروسية على أوكرانيا، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة. يردده مسؤولون روس، ويستحضره معلّقون غربيون متعاطفون، بل وحتى بعض منتقدي الكرملين: هل يريد الروس العاديون هذه الحرب فعلًا؟
لكن الصحيفة ترى أن استمرار طرح هذا السؤال، رغم دلالته الأخلاقية، ينطوي على قدر كبير من التضليل. فهو يفترض أن الحروب تنشأ أساسًا من الرغبة الشعبية أو غيابها، وكأن المسألة نفسية أو أخلاقية بالدرجة الأولى. بينما يشير التاريخ، وفق التحليل، إلى أن هذا الإطار يُخفي أكثر مما يُظهر.
من الرغبة إلى التبعية: كيف تحتاج الأنظمة إلى الحرب
تذهب مودرن ديبلوماسي إلى أن الاحتمال الأكثر إزعاجًا ليس أن الروس يريدون الحرب، بل أن النظام السياسي والاقتصادي الذي يعيشون في ظله بات يعتمد عليها للبقاء. فالمسألة لم تعد مسألة رغبة شعبية، بل علاقة تبعية بنيوية.
وتلفت الصحيفة إلى مفارقة مركزية: فالتوق إلى السلام تعايش تاريخيًا مع دولة تمجّد التضحية العسكرية. فالذاكرة، التي كانت في ستينيات القرن الماضي أداة تحذير تقول «لن يتكرر ذلك أبدًا»، أُعيد تشكيلها لاحقًا لتصبح قاعدة يُبنى عليها نظام قادر على الانتقال من مجتمع يتذكر الحرب إلى مجتمع يحتاجها.
الاقتصاد السوفيتي: التعبئة بوصفها حالة طبيعية
وتوضح الصحيفة أن فهم هذه الظاهرة يمرّ حتمًا عبر الاقتصاد السياسي. فالاتحاد السوفيتي لم يكن مجرد دولة قادرة على التعبئة للحرب، بل دولة قائمة أصلًا على الاستعداد الدائم لها. لم يكن الإنتاج العسكري استثناءً ظرفيًا، بل ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد.
استحوذت الصناعات الدفاعية، بحسب التحليل، على نصيب غير متناسب من الموارد البشرية والعلمية والتكنولوجية. واعتمدت مناطق كاملة على مصانع السلاح كمصدر للعمل والبنية التحتية، فيما تحولت السرية إلى أداة حوكمة لا تقل أهمية عن كونها إجراءً أمنيًا.
في هذا السياق، لم يكن السلام يعني نزع السلاح، بل إدارة التوتر وتأجيل المواجهة. لقد استقر النظام من خلال التعبئة لا رغمًا عنها، وأصبحت الحرب أفقًا تنظيميًا لا استثناءً عابرًا.
من الانهيار السوفيتي إلى إعادة التمركز الروسي
ترى مودرن ديبلوماسي أن انهيار الاتحاد السوفيتي عطّل هذا النموذج، لكنه لم يفككه بالكامل. ففي تسعينيات القرن الماضي تقلصت الصناعات الدفاعية، لكنها لم تختفِ، ولم يظهر بديل اقتصادي قادر على استيعاب العمالة أو تحقيق استقرار اجتماعي واسع.
ومع وصول فلاديمير بوتين إلى السلطة، بدأت الدولة الروسية، وفق الصحيفة، بإعادة بناء منظومة مركزية للسيطرة السياسية والاقتصادية والرمزية. واستعادت قطاعات الدفاع والأمن موقعها المحوري، ليس فقط كأدوات للسياسة الخارجية، بل كآليات لتحقيق الاستقرار الداخلي وضمان ولاء المناطق الحساسة.
وتشير الصحيفة إلى أن هذا المسار تسارع بعد عام 2014، وبلغ ذروته مع الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022. فقد أعادت العقوبات تشكيل أولويات الاقتصاد، ودُفعت السياسة الصناعية باتجاه تلبية الاحتياجات الدفاعية، لتتحول الحرب إلى أداة لامتصاص الصدمات الاقتصادية وإعادة توزيع الموارد.
الحرب بوصفها عامل تماسك داخلي
وفق مودرن ديبلوماسي، لم تعد الحرب مجرد خيار سياسي، بل صارت عنصرًا استقراريًا يؤدي وظائف متعددة: استيعاب العمالة، توجيه الاستثمار، شرعنة القمع، وإعادة توجيه السخط الاجتماعي نحو «العدو الخارجي». وفي المقابل، يصبح السلام عاملًا مُزعزعًا للاستقرار، لأنه يفتح دفعة واحدة ملفات مسكوتًا عنها: الجنود المسرّحون، المصانع المعطلة، المناطق المعتمدة على العقود العسكرية.
وتشير الصحيفة إلى أن نفقات الدفاع والأمن بلغت مستويات تاريخية، تُقدَّر بنحو 7 إلى 8 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، لتتحول الدولة إلى المصدر الرئيسي للدخل والحراك الاجتماعي، خصوصًا في المناطق الطرفية الفقيرة. ومع استمرار التعبئة، ازداد اعتماد الاقتصاد على الحرب شهرًا بعد شهر، حتى أصبح السلام صدمة محتملة لا مكسبًا.
من الذاكرة إلى المنهج: عسكرة الأجيال الجديدة
وتعتبر مودرن ديبلوماسي أن أخطر مظاهر هذا التحول تظهر في التعليم والتنشئة. فبينما كان تشغيل الأطفال في المصانع خلال الحرب العالمية الثانية ضرورة مأساوية، بات إشراك الطلاب اليوم في أنشطة مرتبطة بالإنتاج العسكري سياسة مقصودة، تُقدَّم بوصفها واجبًا وطنيًا.
وتستشهد الصحيفة بما كشفته تقارير حديثة عن منطقة ألابوغا في تتارستان، حيث يعمل مراهقون على خطوط تجميع الطائرات المسيّرة، في برامج «دراسة وعمل» تُقدَّم على أنها تجسيد للروح الوطنية. وهنا، لم تعد الذاكرة صدمة تحذيرية، بل تحولت إلى منهج يُرسّخ الحتمية العسكرية لدى الجيل القادم.
السؤال الخاطئ
تخلص مودرن ديبلوماسي إلى أن سؤال «هل يريد الروس الحرب؟» يحمل جاذبية أخلاقية، لكنه تحليليًا قاصر. فالسؤال الأهم هو: هل يستطيع نظام أعاد تنظيم نفسه حول التعبئة الدائمة أن يبقى دون حرب؟
المأساة، بحسب الصحيفة، ليست في رغبة شعبية خفية بالصراع، بل في أن عقودًا من الخيارات الاقتصادية والمؤسسية جعلت السلام نفسه حدثًا مُهدِّدًا للاستقرار. وفي ظل هذا الواقع، لا تكفي الرغبة الفردية في السلام لوقف الحرب، ما دام النظام غير قادر على البقاء بدونه.






