تسعى القيادة الفلسطينية، عبر أدواتها الدبلوماسية والسياسية، إلى مواجهة التصعيد الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية، مستخدمة منابر الأمم المتحدة كخط دفاع أساسي في معركتها ضد ما تصفه بـ«الإبادة الجماعية» و«مخططات التدمير الممنهج».
تهديد وجودي
الرسائل الثلاث التي بعث بها المندوب الدائم لفلسطين لدى الأمم المتحدة رياض منصور إلى الأمين العام، ورئيس مجلس الأمن، ورئيس الجمعية العامة، تعكس إدراك السلطة الفلسطينية لخطورة المرحلة، حيث تجاوزت الأزمة حدود الانتهاكات الميدانية لتصل إلى تهديد وجودي يطال حياة أكثر من مليون فلسطيني في القطاع المحاصر.
منصور استند إلى معطيات دولية محدثة لتقوية الموقف الفلسطيني، أبرزها تقارير التصنيف الدولي لانعدام الأمن الغذائي التي أعلنت رسميا وقوع المجاعة في غزة، فضلا عن نتائج «ميد جلوبال» التي وثّقت ارتفاعاً صادماً بنسبة 914% في معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال منذ مارس الماضي.
مشروع استعماري
هذه الأرقام لا تُطرح كإحصاءات جافة، بل كأدوات ضغط سياسية تُلزم المجتمع الدولي بالتحرك بموجب القانون الدولي الإنساني، وهو ما حاول منصور ترجمته بالدعوة إلى تفعيل الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ونشر قوة حماية دولية.
في المقابل، لم تقتصر الدبلوماسية الفلسطينية على غزة وحدها، بل ربطت بين جرائم الحرب هناك ومخططات الضم في الضفة الغربية. التحذير من المضي في مشروع بناء 3400 وحدة استيطانية في منطقة «E1» ليس تفصيلاً ثانوياً، بل يشير إلى محاولة إسرائيل استكمال عملية فصل الضفة إلى كانتونات معزولة وقطع التواصل الجغرافي بين شمالها وجنوبها، وهو ما يعني إجهاض أي أفق واقعي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. بهذا الربط، تسعى السلطة إلى تكريس الرواية بأن العدوان ليس مجرد رد عسكري على غزة، بل جزء من مشروع استعماري طويل الأمد يهدد الكيان الوطني الفلسطيني برمته.
الفيتو الأمريكي
التحرك الفلسطيني في الأمم المتحدة، وإن بدا في ظاهره تكراراً لمطالب قديمة، إلا أنه يكتسب زخماً إضافياً بفعل الظروف الراهنة: المجاعة المعلنة، الانهيار الصحي، والحصار الخانق. وفي هذا السياق، تحاول القيادة الفلسطينية حشد دعم جماعي وفردي من الدول عبر خطوات ملموسة مثل فرض عقوبات على إسرائيل، حظر توريد السلاح إليها، واتخاذ تدابير دبلوماسية وقانونية تعزز عزلتها، بما يشمل الاعتراف بدولة فلسطين كوسيلة مباشرة لتجسيد حق تقرير المصير.
هذه الجهود، رغم محدودية تأثيرها المباشر على سلوك إسرائيل، تؤدي وظيفة مزدوجة: أولاً، تثبيت رواية الفلسطينيين في الخطاب الدولي باعتبار ما يجري «إبادة جماعية» وليس نزاعاً عسكرياً تقليدياً، وثانياً، إبقاء ملف فلسطين على جدول أعمال الأمم المتحدة رغم محاولات تهميشه أو احتوائه. في الوقت ذاته، تُدرك السلطة أن غياب تحرك فعلي من مجلس الأمن نتيجة الفيتو الأميركي والأوروبي يجعل الرهان الأساسي على الجمعية العامة وآليات بديلة مثل قرار «الاتحاد من أجل السلام».
بذلك، يظهر المسار الفلسطيني كمعركة سياسية ودبلوماسية طويلة الأمد، عنوانها تحويل المأساة الإنسانية في غزة والضفة إلى قضية أمن دولي لا يمكن للمجتمع الدولي الاستمرار في تجاهلها، مع السعي لاستثمار لحظة الانكشاف الإسرائيلي المتزايد أمام الرأي العام العالمي للضغط من أجل خطوات عملية تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية كقضية تحرر وحقوق إنسان قبل أن تكون نزاعاً سياسياً عابراً.






