تُجسّد حادثة إطلاق النار الأخيرة على الحافلة المدنية بين دمشق والسويداء صورةً مكثّفة لمعاناة السوريين المستمرة في واحدة من أكثر المناطق هشاشةً من حيث الأمن والاستقرار. فـ”طريق الموت”، كما بات يُعرف بين الأهالي، لم يعد مجرّد ممر يربط المدينة بالعاصمة، بل تحوّل إلى رمزٍ للخوف والقلق والانقسام، في مشهد يعكس هشاشة البنية الأمنية والاجتماعية في الجنوب السوري بعد سنوات طويلة من الصراع والتفكك.
من سريرها في المستشفى، تُعيد لميس، وهي أم سورية في الثانية والثلاثين من عمرها، رواية المأساة التي عاشتها على ذلك الطريق. لم تكن رحلتها إلى دمشق سوى لأسبابٍ بسيطة تتعلق بإصدار جوازات سفر أملاً في مستقبل أكثر أماناً لها ولأسرتها، غير أنّ الرصاص الذي انهال على حافلتهم أعادها إلى واقع دام لم يغادر المنطقة منذ شهور. إصابتها وإصابة ابنتها، ومقتل اثنين من الركاب، حوّلت تلك الرحلة المدنية إلى تجربةٍ مرعبة تختصر ما يعيشه سكان السويداء من خوفٍ دائم وعجز عن الشعور بالأمان في وطنهم.
انقسام في السيطرة الميدانية
الطريق الذي يربط السويداء بالعاصمة ليس مجرد مسار جغرافي، بل هو شريان الحياة الوحيد الذي يربط المحافظة بباقي مناطق البلاد. إلا أنّه اليوم يعكس انهيار الثقة بين الدولة ومواطنيها، وبين المكونات الاجتماعية التي تتقاسم العيش في الجنوب السوري. فالحادثة جاءت في سياق أمني متوتر منذ المواجهات الدامية في يوليو/تموز الماضي بين مسلحين من الدروز وآخرين من البدو، والتي أودت بحياة أكثر من ألفي شخص، وخلّفت جروحاً عميقة في النسيج الاجتماعي والعلاقات الأهلية، لتصبح السويداء منطقةً معزولةً فعلياً رغم بقائها ضمن الحدود السورية الرسمية.
ورغم إعلان وقف إطلاق النار ومحاولات التهدئة التي دعمتها دمشق بالتعاون مع الولايات المتحدة والأردن، فإن الأوضاع الميدانية لا تزال بعيدة عن الاستقرار. فالمحافظة بقيت تحت سيطرة المقاتلين المحليين من أبناء الطائفة الدرزية، بينما تفرض القوات الحكومية طوقاً على أطرافها. هذا الانقسام في السيطرة الميدانية ولّد فراغاً أمنياً ملحوظاً، سمح بانتشار المجموعات المسلحة غير الرسمية، بعضها يدّعي حماية السكان وبعضها الآخر يرتبط بجهاتٍ أمنية لكنها لا تخضع للمساءلة، ما جعل الطرق بين المدن عرضة للكمائن والخطف وإطلاق النار.
انهيار الروابط الحيوية
ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أنّ الحوادث المتكررة على طريق دمشق-السويداء ليست حوادث معزولة، بل تعبّر عن تفلتٍ أمني واسع النطاق، حيث تنشط مجموعات تحمل السلاح خارج الإطار الرسمي وتفرض وجودها بالحواجز والابتزاز، في ظل غياب واضح لسلطة الدولة وقدرتها على بسط الأمن. هذه الحالة جعلت من التنقّل اليومي مخاطرة، ومن السفر إلى العاصمة مغامرة محفوفة بالموت، ما أدى إلى عزلة اقتصادية واجتماعية خانقة، خصوصاً للطلبة والموظفين وأصحاب الأعمال.
النتائج الإنسانية لهذه الفوضى تتجاوز عدد الضحايا. فحالة الخوف المزمن تزرع في نفوس السكان إحساساً بالغربة داخل وطنهم، كما عبّر الطالب الجامعي مضر الذي لم يعد يجرؤ على العودة إلى مدينته خوفاً من الطريق، في حين يصف صفوان عبيد عجزه عن الوصول إلى موعد في سفارة ببيروت، لأن الطرق لم تعد آمنة. هذه الشهادات ليست مجرد تعبيرات فردية عن الألم، بل مؤشرات على انهيار الروابط الحيوية التي تربط الناس بالدولة وبحياتهم اليومية، حيث يتحول الأمن إلى رفاهٍ مفقود، والحركة بين المدن إلى حلمٍ بعيد المنال.
مأساة طريق الموت
إن الأزمة في السويداء، وما يتصل بها من انعدام للأمن على الطرق، ليست أزمة آنية أو حادثة طارئة، بل هي نتاج تراكماتٍ سياسية واجتماعية واقتصادية عميقة. فالمحافظة، التي طالما شعرت بالتهميش من قبل الحكومة المركزية، وجدت نفسها خلال السنوات الأخيرة في مواجهة مباشرة مع نتائج انهيار مؤسسات الدولة وفقدان الثقة بين السلطة والمجتمع. محاولات الحكومة الأخيرة لتعيين زعماء محليين من أبناء الطائفة في مواقع أمنية، ورسم “خارطة طريق للمصالحة”، لم تكن كافية لمعالجة الجذور الفعلية للمشكلة، التي تتمثل في غياب العدالة والمساءلة، وانتشار السلاح، وتعدد مراكز النفوذ.
في ضوء ذلك، تتجلى مأساة “طريق الموت” بوصفها امتداداً لحالة وطنية أشمل يعيشها السوريون منذ أكثر من عقد، حيث بات الأمن الشخصي ترفاً، والتنقّل مخاطرة، والعيش في الوطن مرادفاً للغربة والخوف. إن ما جرى للحافلة ليس حادثة معزولة، بل مرآة لواقع مأزوم تتداخل فيه الفوضى مع الصمت، ويغيب فيه الأمل بخلاصٍ قريب ما لم تُستعاد سلطة الدولة على أسسٍ عادلة، تُعيد للناس حقهم في الأمان والكرامة قبل أن تفقد البلاد ما تبقّى من ثقة شعبها.






