بعد أسابيع من الهدوء النسبي الذي أعقب اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، وجدت العلاقات المصرية-الإسرائيلية نفسها على حافة توتر جديد. فإسرائيل، التي بدت منشغلة بإعادة ترتيب أوراقها بعد المعارك، عادت لتوجّه بوصلتها جنوباً نحو القاهرة، مثيرةً جدلاً واسعاً حول نواياها الحقيقية. ففي وقت كانت فيه الأنظار تتجه إلى إعادة الإعمار في غزة، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تحويل المنطقة الحدودية مع مصر إلى “منطقة عسكرية مغلقة”، مبرّراً القرار بمواجهة “تهديد الطائرات المسيّرة” وعمليات تهريب الأسلحة.
القرار لم يكن إجراءً تقنياً كما حاولت تل أبيب أن تصوّره، بل خطوة سياسية تحمل في طيّاتها رسائل متعدّدة. فبينما تتحدث إسرائيل عن “اعتبارات أمنية”، ترى القاهرة أن هذه الخطوة تنطوي على تشكيك في التزاماتها التاريخية بموجب اتفاقية كامب ديفيد، التي حدّدت بوضوح حجم التواجد العسكري المصري في سيناء. ومن هنا بدأ المشهد يتغيّر: من هدوء حذر إلى توتر مفتوح على كل الاحتمالات.
عسكرة الحدود… ذريعة أم تحوّل في قواعد اللعبة؟
تحويل إسرائيل حدودها مع مصر إلى منطقة عسكرية مغلقة لم يكن حدثاً عابراً في السياق الأمني، بل خطوة ذات حمولة رمزية تستحضر أجواء ما قبل “كامب ديفيد”، حين كانت الحدود ساحة مفتوحة للاشتباك والريبة المتبادلة. فالإجراء الإسرائيلي، وإن جاء مغلفاً بمبررات تتعلق بمكافحة تهريب الأسلحة أو مواجهة الطائرات المسيّرة، بدا في نظر مراقبين كثيرين محاولة متعمّدة لإعادة رسم خطوط النفوذ بين البلدين، ولتذكير القاهرة بأن ميزان القوة لا يزال في يد تل أبيب.
تبدو هذه الخطوة – في مضمونها – جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع، تُحاول توظيف ملف الأمن الحدودي للضغط السياسي على مصر. فبينما تصوّر تل أبيب القرار كإجراء احترازي لحماية أمنها من “تهديدات محتملة”، يقرأه الدبلوماسيون العرب كإشارة سياسية مزدوجة: الأولى للداخل الإسرائيلي لتأكيد أن الجيش يمسك بزمام الميدان بعد إخفاقات غزة، والثانية للقاهرة بأن هامش تحركها في سيناء يجب أن يبقى تحت المراقبة الدائمة.
في المقابل، اختارت مصر سياسة “التحفظ الهادئ”، مدركةً أن الرد الانفعالي قد يمنح إسرائيل الذريعة لتوسيع وجودها العسكري في مناطق أكثر حساسية. فالقاهرة تدرك أن كل تغيير في الوضع الميداني على الحدود – مهما بدا تقنياً – يمسّ مباشرةً جوهر اتفاقية السلام التي بُنيت على معادلة دقيقة من الثقة والرقابة المتبادلة. لهذا اكتفت بإرسال رسائل اعتراض عبر القنوات الدبلوماسية إلى واشنطن وتل أبيب، محذّرةً من أن عسكرة الحدود بهذا الشكل قد تُخلّ بتوازنٍ استراتيجي استمر أكثر من أربعة عقود.
غير أن جوهر الخلاف لا يقتصر على التفاصيل العسكرية، بل يمتد إلى رؤية كل طرف لمعنى السيادة والأمن. فإسرائيل تعتبر أي تعزيز مصري في سيناء “تجاوزاً للاتفاق”، بينما ترى القاهرة أن وجودها هناك “حق سيادي” يندرج ضمن التنسيق الأمني الضروري لحماية حدودها ومواجهة التنظيمات المسلحة التي نشطت في شمال شبه الجزيرة خلال السنوات الماضية. ومع ذلك، فإن تكرار الاتهامات الإسرائيلية يعكس رغبة واضحة في تحويل سيناء إلى منطقة مراقبة دائمة، لا إلى فضاء سيادة مصرية كاملة، وهو ما تعتبره القاهرة خطاً أحمر لا يمكن المساس به.
الغاز… شراكة اقتصادية تتحوّل إلى ورقة ضغط
لم يكن التصعيد الإسرائيلي محصوراً في الميدان، بل تمدّد إلى الاقتصاد والطاقة. فبعد أيام من خطوة كاتس، هدّد وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين بعدم المصادقة على صفقة الغاز الضخمة مع مصر، والتي تبلغ قيمتها 35 مليار دولار، قبل “ضمان المصالح الأمنية الإسرائيلية” وتحديد أسعار “عادلة” للمستهلك الإسرائيلي.
هذا الموقف المفاجئ أثار انزعاج القاهرة التي ترى في الغاز الإسرائيلي حجر الأساس لمخططها كي تصبح مركزاً إقليمياً للطاقة. لكن تل أبيب، كما يبدو، تحاول استخدام الاتفاق كورقة ضغط لإملاء شروط سياسية وأمنية. فالصفقة لم تعد مجرد تعاون اقتصادي، بل أداة مساومة تهدف إلى تقييد الدور المصري في ملفات غزة والطاقة والوساطة الإقليمية.
صمت علني وتحرك خلف الكواليس
رغم التصعيد الإسرائيلي، لم تُبدِ مصر ردود فعل علنية حادة. فالقاهرة تدرك أن أي مواجهة مفتوحة مع تل أبيب ستُربك حساباتها في سيناء، وتضرّ بمصالحها الاقتصادية والأمنية. لكنها في الوقت نفسه لا تخفي امتعاضها من محاولات إسرائيل التشكيك في التزاماتها أو استغلال الأوضاع في غزة لتقليص دورها الإقليمي.
مصادر قريبة من الخارجية المصرية تؤكد أن القاهرة فعّلت قنوات اتصالها مع الإدارة الأميركية لإيضاح خطورة الإجراءات الإسرائيلية على استقرار الحدود وعلى مستقبل اتفاق وقف الحرب في غزة. كما وجّهت رسائل واضحة تفيد بأن ما تفعله إسرائيل لا يمكن فصله عن محاولتها تعطيل المرحلة الثانية من التسوية التي تتضمن انسحاباً تدريجياً من القطاع مقابل صفقة تبادل الأسرى.
رسائل إسرائيل الخفية… أكثر من أمنٍ وحدود
في العمق، لا يبدو أن الهدف الإسرائيلي محصور في “ضبط التهريب” أو “حماية الحدود”، بل في إعادة تعريف العلاقة مع مصر على أسس جديدة. فتل أبيب تريد من القاهرة أن تتحمّل عبء تأمين الحدود بالكامل، وأن تلتزم الصمت تجاه تجاوزاتها في غزة، وأن تبقى شريكاً أمنياً أكثر منه طرفاً إقليمياً فاعلاً.
إسرائيل، التي تعاني من ضغوط داخلية وتراجع في صورتها الدولية، تسعى لإظهار أنها قادرة على فرض إيقاعها حتى على الدول الحليفة. ومن خلال تصعيدها مع مصر، تحاول إرسال رسائل مزدوجة: إحداها للداخل الإسرائيلي مفادها أن الحكومة تسيطر على كل الجبهات، والأخرى لجيرانها العرب بأنها قادرة على استخدام الاقتصاد والأمن كأدوات ابتزاز سياسي.
معاهدة السلام أمام اختبار جديد
كل هذه التطورات أعادت إلى الواجهة السؤال الأكبر: هل ما زالت معاهدة السلام قادرة على الصمود؟ فالاتفاق الذي شكّل أحد أعمدة الاستقرار في الشرق الأوسط يواجه اليوم ضغوطاً غير مسبوقة. إذ يتصرّف الجانب الإسرائيلي وكأنه يريد إعادة تفسير بنود المعاهدة بما يخدم مصالحه الآنية، فيما تتمسك القاهرة بضرورة الحفاظ على التوازن الدقيق الذي مكّنها لعقود من تجنّب المواجهة المباشرة.
مصر لا ترغب في نسف الاتفاق، لكنها ترفض أن يُستخدم كذريعة لتقييد سيادتها أو انتقاص دورها. لذلك تسعى إلى ضبط الموقف عبر الدبلوماسية، مستندةً إلى دعم أميركي وأوروبي يدرك خطورة اهتزاز هذه العلاقة على مجمل استقرار الإقليم.
بين براغماتية القاهرة وجموح تل أبيب
تتعامل مصر مع الأزمة بمنطق البراغماتية السياسية، محافظةً على توازن دقيق بين الردع والتهدئة. أما إسرائيل، فتتحرك بمنطق المغالبة، مدفوعةً بصراعات داخلية وحسابات يمينية ترى في التوتر وسيلة لاستعادة الهيبة بعد إخفاقات غزة.
في نهاية المطاف، ما تريده إسرائيل من مصر ليس فقط حدوداً آمنة، بل شريكاً يذعن لمعادلة جديدة تكرّس تفوقها الأمني والسياسي. وما تريده مصر هو احترام سيادتها والحفاظ على استقرار معاهدة السلام دون أن تتحول إلى عبء أو قيد. وبين الطرفين، يقف شرق أوسط يتغيّر بسرعة، تتداخل فيه المصالح مع المخاوف، وتختبر فيه القاهرة وتل أبيب مجدداً قدرة “السلام البارد” على الصمود في وجه العواصف.







