تتسع داخل إيران دائرة الخلاف حول إدارة الاتصالات مع الولايات المتحدة، بعدما تحولت محادثات وزير الخارجية عباس عراقجي مع المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك إلى محور مواجهة بين أجنحة سياسية وأمنية متنافسة.
وبينما أكدت مصادر وتقارير إيرانية أن الاتصالات جرت في إطار وساطة قطرية، وأن مبدأ التفاوض حظي بدرجة من الموافقة داخل دوائر صنع القرار، سارعت شخصيات ووسائل إعلام محسوبة على التيار المتشدد إلى مهاجمة عراقجي، متهمة إياه بإجراء لقاء لم يكن مخولاً به.
وهنا تتجاوز القضية حدود الخلاف حول وزير الخارجية؛ إذ تطرح سؤالاً أوسع يتعلق بمن يملك القرار النهائي في طهران، وكيف تُدار السياسة الخارجية في مرحلة ما بعد علي خامنئي.
لقاء نيويورك يشعل الخلاف
كان اللقاء بين عراقجي وويتكوف واحداً من أبرز الاتصالات الإيرانية الأميركية خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وبحسب التقارير، جرت المحادثات عبر وساطة قطرية، وناقشت بصورة غير مباشرة سبل خفض التصعيد، بما في ذلك قضايا مرتبطة بالعقوبات الأميركية ومضيق هرمز والحرب الدائرة بين الطرفين.
لكن الإعلان عن اللقاء لم يلقَ ترحيباً موحداً داخل إيران.
فقد واجه عراقجي انتقادات من نواب متشددين، بينهم إبراهيم رضائي وعلي خضريان، وطُرحت داخل البرلمان مطالب باستجوابه والتحقيق في الأساس الذي استند إليه في إجراء الاتصال مع المبعوث الأميركي. كما وصفت وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري اللقاء بأنه خطأ، واتهمت الوزير بالتصرف خارج الإطار المحدد للتفاوض.
في المقابل، ظهرت أصوات داخل البرلمان تقول إن عراقجي كان مخولاً بإجراء الاتصال.
وهكذا تحول السؤال من «هل تتفاوض إيران مع الولايات المتحدة؟» إلى سؤال أكثر حساسية: «من أعطى الإذن؟»
صفوي يدخل على خط الأزمة
تزداد أهمية الخلاف بسبب تصريحات يحيى رحيم صفوي، أحد كبار المستشارين العسكريين للمرشد مجتبى خامنئي.
وقال صفوي إن ترك الحكومة تتحرك بحرية في المفاوضات، إذا كان قد تم بقرار من المرشد ورأى فيه مصلحة، سيكون «خطوة مهمة وحكيمة».
ورغم أن التصريح صيغ بصورة افتراضية، فإنه حمل دلالة سياسية مهمة، لأنه يشير إلى احتمال وجود غطاء من القيادة العليا للتحرك الدبلوماسي.
لكن استمرار الهجوم على عراقجي بعد ذلك يضع النظام أمام معضلة واضحة: إذا كان التفاوض جزءاً من قرار القيادة، فإن مهاجمة المفاوضين يمكن أن تتحول عملياً إلى تشكيك في القرار نفسه.
مجتبى خامنئي.. القيادة الغائبة عن المشهد العلني
منذ تولي مجتبى خامنئي موقع المرشد الأعلى في مارس/آذار الماضي، ظل حضوره العلني محدوداً للغاية، وفق تقارير حديثة.
وخلال زيارة الرئيس مسعود بزشكيان إلى نيويورك، لم يظهر إعلان عن لقاء علني بين الرئيس والمرشد قبل الرحلة، خلافاً لما كان معتاداً في السنوات السابقة عندما كان المرشد السابق علي خامنئي يستقبل الرئيس قبل محطات دبلوماسية مهمة.
هذا الغياب يجعل التصريحات الصادرة عن مستشاريه والمسؤولين المحيطين به أكثر أهمية، لكنه في الوقت نفسه يترك مساحة أكبر للتأويل والتنافس بين مراكز القوى.
ففي الأنظمة شديدة المركزية، لا يتعلق الأمر فقط بالقرار الذي يصدر من القيادة، بل أيضاً بكيفية تفسير بقية المؤسسات لذلك القرار ومن يملك حق تحديد حدوده.
المتشددون يهاجمون عراقجي
لم تتوقف الانتقادات عند تصريحات فردية.
فقد انتقد النائب إبراهيم رضائي لقاء عراقجي مع ويتكوف، متسائلاً عن التفويض الذي سمح للوزير بإجراء اللقاء، بينما طالب علي خضريان عراقجي بتقديم توضيحات أمام البرلمان.
كما نقلت تقارير عن وسائل إعلام مرتبطة بالحرس الثوري انتقادات للقاء، معتبرة أنه منح واشنطن مكاسب سياسية من دون الحصول على مقابل واضح.
لكن في الاتجاه الآخر، أكد مسؤولون إيرانيون أن باب الدبلوماسية لم يُغلق.
وهذا التناقض هو الذي يعطي الأزمة طابعها الأوسع: إيران لا تبدو منقسمة ببساطة بين معسكر يريد الحرب وآخر يريد السلام، وإنما بين تيارات تختلف حول شروط التفاوض، وتوقيته، وحدوده، ومن يملك تفويضه.
بزشكيان أيضاً في مرمى الانتقادات
لم يقتصر الصراع على عراقجي.
فبعد عودة الرئيس مسعود بزشكيان من نيويورك، تعرض أيضاً لانتقادات من شخصيات متشددة بسبب مواقفه وتصريحاته المتعلقة بالدبلوماسية مع الولايات المتحدة.
وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، اتخذ بزشكيان موقفاً مزدوجاً؛ فقد رفض ما وصفه بالتهديدات والإملاءات الأميركية، لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام التفاوض إذا جرت العملية على أساس متكافئ.
ولم يقدم الخطاب تنازلاً واضحاً يمكن للمتشددين وصفه بأنه تراجع، وهو ما ساعد على حصوله على إشادات من شخصيات عسكرية وسياسية بعد إلقائه.
لكن الجدل حول اتصالات عراقجي بقي قائماً.
لماذا لا يعني التفاوض بالضرورة التراجع؟
تكمن إحدى المفارقات الرئيسية في الموقف الإيراني في أن بعض المسؤولين يرفضون تصوير التفاوض باعتباره بديلاً عن المواجهة.
فمحمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، قال إن الحرب والتفاوض ليسا بالضرورة خيارين متعارضين، وإن الضغط العسكري يمكن أن يترافق مع المسار الدبلوماسي.
وتكشف هذه الرؤية عن مفهوم إيراني للتفاوض باعتباره أداة لإدارة الصراع وليس إعلاناً عن إنهائه.
وبالتالي، يمكن لطهران أن تواصل الضغط العسكري في الوقت نفسه الذي تستخدم فيه قنوات التفاوض للحصول على تنازلات تتعلق بالعقوبات ومضيق هرمز والملف النووي.
الانقسام يمتد إلى الحكومة والبرلمان
وتتزامن أزمة عراقجي مع صراعات سياسية أخرى داخل مؤسسات الدولة.
فقد واجه وزير العمل أحمد ميدري إجراءات برلمانية لعزله، بينما استمرت الضغوط على وزراء ومسؤولين آخرين.
ويعكس ذلك بيئة سياسية أكثر توتراً، إذ تواجه الحكومة ضغوطاً من البرلمان والتيارات المحافظة، في الوقت الذي تتعامل فيه البلاد مع حرب وضغوط اقتصادية وعقوبات دولية.
وبذلك لا تبدو أزمة التفاوض منفصلة عن بقية الخلافات، بل جزءاً من صراع أوسع حول اتجاه الدولة وكيفية إدارة المرحلة الجديدة.
القضاء.. ساحة أخرى للصراع السياسي
امتدت المنافسة كذلك إلى الملف القضائي.
وتعرض بعض السياسيين لعقوبات قضائية، في حين اتهمت شخصيات متشددة القضاء بعدم التعامل بالصرامة نفسها مع شخصيات سياسية بارزة.
ويُستخدم هذا الملف في السجال الداخلي باعتباره مؤشراً على توازنات القوة بين الأجنحة السياسية المختلفة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بشخصيات تمتلك حضوراً داخل المؤسسات الرسمية.
وهنا يظهر تناقض آخر بين الخطاب الرسمي حول وحدة مؤسسات الدولة وبين الاستخدام السياسي المتزايد للبرلمان والإعلام والقضاء في تصفية الخلافات بين التيارات.
مقعد إيران في الأمم المتحدة.. خلاف رمزي
ومن مظاهر الخلاف أيضاً الجدل حول بقاء عضو البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة ناصر أسدي داخل قاعة الجمعية العامة أثناء خطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وانتقد نواب متشددون بقاءه، معتبرين ذلك موقفاً غير مناسب، بينما دافعت وزارة الخارجية عن القرار باعتبار أن حضور إيران في المؤسسات الدولية يمثل جزءاً من أدواتها الدبلوماسية.
وقال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إن مقعد إيران في الجمعية العامة يمثل «خندقاً» دبلوماسياً لا ينبغي التخلي عنه بسبب خطاب عدائي.
وهذا الخلاف، رغم رمزيته، يعكس جوهر المعضلة نفسها: هل الانخراط الدبلوماسي مع الخصم يُعد تنازلاً، أم وسيلة لمواجهته في ساحة أخرى؟
ما الذي تكشفه الأزمة عن مرحلة ما بعد خامنئي؟
أبرز ما تكشفه التطورات الأخيرة ليس بالضرورة وجود صراع معلن على السلطة، وإنما صعوبة الحفاظ على صورة القرار الواحد عندما تتعدد مراكز القوة داخل النظام.
فمن جهة، هناك قيادة جديدة ممثلة في مجتبى خامنئي، ومؤسسات أمنية وعسكرية قوية، وحكومة يقودها بزشكيان، وبرلمان يضم تيارات محافظة ومتشددة.
ومن جهة أخرى، تحتاج إيران في ظل الحرب والعقوبات والضغط الاقتصادي إلى إبقاء قنوات تفاوض مفتوحة مع واشنطن.
وهنا يصبح التحدي الأساسي هو كيفية الجمع بين خطاب المواجهة وبين الدبلوماسية العملية.
طهران تفاوض.. لكنها لا تريد أن تبدو وكأنها تتفاوض
تظهر التطورات الأخيرة أن إيران لا تزال تستخدم القنوات الدبلوماسية، رغم التصعيد العلني.
فالمحادثات التي جرت في نيويورك استمرت ضمن مسار وساطة، كما أن الولايات المتحدة وإيران أبقتا قنوات الاتصال مفتوحة رغم استمرار الخلافات الحادة.
لكن داخل إيران، يبدو أن لغة التفاوض نفسها أصبحت موضع صراع سياسي.
فالتيار المتشدد يريد ضمان ألا يُفهم الاتصال مع واشنطن على أنه تراجع أو قبول بالشروط الأميركية، بينما يرى الدبلوماسيون والحكومة أن التفاوض يمكن أن يكون وسيلة للحصول على تنازلات مقابلة من الطرف الآخر.






