رغم الفوائد الصحية المتعددة التي تجعل القهوة من أكثر المشروبات استهلاكًا حول العالم، فإن مستقبلها أصبح يواجه تحديًا غير مسبوق بسبب التغيرات المناخية التي تهدد إنتاج البن في العديد من الدول الرئيسية، وسط تحركات علمية مكثفة لتطوير سلالات جديدة أكثر قدرة على مقاومة الحرارة والجفاف.

ويستهلك العالم نحو 2.3 مليار فنجان قهوة يوميًا، ما يجعلها واحدة من أكثر المشروبات انتشارًا، فضلًا عن ارتباطها باقتصاد عالمي يعتمد عليه ملايين المزارعين ومئات الشركات في مختلف القارات.

فوائد القهوة تتجاوز النشاط والتركيز
لا تقتصر أهمية القهوة على منح الجسم اليقظة وزيادة التركيز، بل تشير دراسات عديدة إلى أن تناولها باعتدال قد يساهم في دعم صحة القلب، وتحسين وظائف الدماغ، وتقليل خطر الإصابة ببعض الأمراض المزمنة، بفضل احتوائها على مضادات الأكسدة ومركبات طبيعية مفيدة.

لكن هذه الفوائد قد تصبح مهددة إذا تراجعت كميات الإنتاج العالمي، وهو ما يدفع العلماء إلى البحث عن حلول عاجلة للحفاظ على هذا المشروب الذي يحتل مكانة خاصة لدى مليارات الأشخاص.
تغير المناخ يضغط على أشهر أنواع البن
ويؤكد الباحثون أن نوعي البن الأكثر انتشارًا في العالم، وهما “أرابيكا” و”روبوستا”، يواجهان تحديات متزايدة نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار، وزيادة موجات الجفاف.

وتستحوذ قهوة “أرابيكا” على نحو 60% من الإنتاج العالمي، لكنها تعد الأكثر حساسية لارتفاع درجات الحرارة، بينما تمثل “روبوستا” قرابة 40% من الإنتاج، ورغم تحملها النسبي للحرارة، فإنها تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، ما يجعلها أيضًا عرضة لتأثيرات الجفاف.
إثيوبيا.. الأمل الأكبر للحفاظ على القهوة
يرى العلماء أن إثيوبيا، الموطن الأصلي لقهوة أرابيكا، تمثل أحد أهم مفاتيح إنقاذ القهوة مستقبلًا، بفضل ما تمتلكه من تنوع وراثي واسع لأنواع البن البرية.

ولهذا تعمل الحكومة الإثيوبية على حماية الغابات التي تنمو فيها القهوة البرية، إلى جانب الاحتفاظ بآلاف الأشجار داخل بنوك وراثية، بهدف استخدامها في تطوير سلالات جديدة أكثر مقاومة للظروف المناخية القاسية.
البحث عن أنواع جديدة أكثر قدرة على التحمل
وتتواصل البعثات العلمية في إفريقيا ومدغشقر للبحث عن أنواع برية نادرة من البن يمكن أن تمثل مستقبل صناعة القهوة، إذ تمتلك بعض هذه الأنواع خصائص وراثية تساعدها على تحمل درجات الحرارة المرتفعة مع الحفاظ على جودة المذاق.

كما يتجه الباحثون إلى دراسة أنواع مثل “ليبيريكا” و”إكسلسا”، اللتين تحتاجان إلى مياه أقل وتتحملان ظروفًا مناخية أكثر صعوبة، فضلًا عن تمتعهما بنكهات مميزة قد تساعد على انتشارهما تجاريًا خلال السنوات المقبلة.
نصف الأراضي الزراعية قد يختفي بحلول 2050
وتحذر تقديرات علمية من أن المساحات المناسبة لزراعة القهوة قد تتراجع بنحو 50% بحلول عام 2050 إذا استمرت معدلات التغير المناخي الحالية، وهو ما قد ينعكس على حجم الإنتاج العالمي وأسعار البن.

ويؤكد العلماء أن الحفاظ على مستقبل القهوة لن يعتمد على حل واحد، وإنما يتطلب حماية الأنواع البرية، وتطوير أصناف جديدة، وتحديث أساليب الزراعة بما يتناسب مع التغيرات المناخية، لضمان استمرار إنتاج أحد أكثر المشروبات شعبية وفائدة في العالم.







