احتدمت المعارك في الأيام الأخيرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الأجزاء الغربية من إقليم كردفان، الذي يعد أحد أهم الأقاليم الاستراتيجية في البلاد.
ويكتسب الإقليم أهميته من موقعه الجغرافي الرابط بين غرب السودان ووسطه وشماله، فضلاً عن كونه غنياً بالموارد الطبيعية؛ إذ يحتوي على معظم حقول النفط السوداني، ويعد أكبر منتج للصمغ العربي عالمياً، إلى جانب ثروته الحيوانية وأراضيه الزراعية الشاسعة.
أم صميمة.. محور المعركة
تركزت المواجهات العنيفة حول بلدة أم صميمة القريبة من مدينة الأُبيِّض، كبرى مدن الإقليم. ويعتبر الجيش السيطرة على هذه المنطقة خطوة أساسية لفتح طرقه نحو دارفور، حيث تسعى قواته إلى فك الحصار عن مدينة الفاشر المستمر منذ أكثر من عام.
في المقابل ترى «قوات الدعم السريع» أن التمسك بكردفان يمثل خط الدفاع الأول عن دارفور، فضلاً عن توسيع رقعة نفوذها في البلاد.
خسائر بشرية ومادية فادحة
تبادل الطرفان السيطرة على بلدات أبو قعود وأم صميمة، وتداول كل منهما مقاطع مصوَّرة تزعم تحقيق انتصارات ميدانية، غير أن تقارير مراقبين محليين تشير إلى أن المعارك كلفت الجانبين أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى، إضافة إلى خسائر في العتاد العسكري.
وتؤكد هذه المعطيات أن المعركة في كردفان ليست مجرد مواجهة محدودة، بل صراع طويل الأمد على منطقة تعد شرياناً حيوياً للبلاد.
سباق نحو الخرطوم
في حال تمكنت «قوات الدعم السريع» من فرض سيطرتها الكاملة على كردفان بما فيها الأُبيِّض، فإن ذلك سيعني امتلاكها مساحة جغرافية هائلة تمتد من دارفور إلى كردفان، ما يمنحها فرصة التقدم نحو العاصمة الخرطوم مجدداً عبر طرق استراتيجية، بينها طريق الصادرات الرابط بين الأُبيِّض وأم درمان، أو طريق الأُبيِّض – كوستي.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن «الدعم السريع» تسيطر حالياً على خمس محليات في شمال كردفان، مقابل ثلاث بيد الجيش، بينما لا تزال المعارك دائرة في مناطق التماس مع غرب كردفان التي تسيطر عليها «الدعم السريع» باستثناء بابنوسة.
وفي جنوب كردفان، يسيطر الجيش على معظم الولاية بما فيها كادوقلي، بينما تتمركز «الدعم السريع» في الشمال، وتحتفظ «الحركة الشعبية» الحليفة لها بمنطقة كاودا الجبلية.
أبعاد عسكرية واقتصادية
يقول اللواء المتقاعد أمين إسماعيل إن معارك كردفان تحمل أبعاداً استراتيجية عسكرية واقتصادية في آن واحد، موضحاً أن السيطرة على الإقليم تعني فتح الطريق الاستراتيجي الرابط بين الأُبيِّض والنهود والفاشر، وصولاً إلى نيالا والجنينة في دارفور.
ويضيف أن من يمتلك زمام كردفان يستطيع التأثير على طرق التجارة والإمداد الحيوية للسودان.
على الصعيد السياسي، يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة أم درمان الإسلامية، صلاح الدين الدومة، أن ما يجري في كردفان هو استباق لقرارات سياسية مرتقبة.
ويقول إن أي مسار تفاوضي مستقبلي سيقوم على توازن القوة على الأرض، وهو ما يدفع الطرفين إلى محاولة تحقيق إنجاز عسكري يعزز موقعهما على طاولة المفاوضات.
ضغوط دولية ومحاولات وساطة
تتزامن المعارك مع تحركات دبلوماسية تقودها واشنطن وشركاء إقليميون سعياً إلى وقف الحرب. وكشفت مصادر محلية أن لقاءً جرى مؤخراً في سويسرا بين قائد الجيش عبد الفتاح البرهان ومستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، بهدف بحث سبل التوصل إلى تسوية سياسية.
غير أن الجيش يتمسك، وفق مصادر عسكرية، بخيار الحسم الميداني قبل أي تسوية، إذ يؤكد البرهان أن الحرب لن تتوقف إلا بالقضاء على «الدعم السريع».
في ظل هذه المواجهات، يتواصل نزوح آلاف المدنيين من بلدات كردفان، حيث لجأت عائلات كثيرة إلى ملاعب كرة قدم ومبانٍ عامة في كادوقلي ومدن أخرى بحثاً عن مأوى آمن.
وتصف منظمات إنسانية الأوضاع في الإقليم بأنها «كارثية»، في ظل انعدام الخدمات الأساسي وقطع الطرق المؤدية إلى الغذاء والدواء.






