مع دخول الحرب الروسية في أوكرانيا عامها الثالث، بدأت تظهر مؤشرات متزايدة على تغير تدريجي في المزاج العام داخل المجتمع الروسي. فبينما ساد في المراحل الأولى من الحرب دعم واسع للقيادة الروسية، تشير تحليلات وملاحظات معارضين وخبراء إلى أن استمرار الصراع وتزايد كلفته البشرية والاقتصادية قد يدفع شريحة من الروس إلى إعادة النظر في موقفهم من الحرب ومن السلطة التي تقودها.
عندما تقترب الحرب من الحياة اليومية
يرى المحلل السياسي الروسي المعارض عباس غالياموف، الذي عمل سابقاً كاتب خطابات للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن الموقف الشعبي من الحروب غالباً ما يتغير عندما تنتقل آثارها من الجبهات البعيدة إلى الحياة اليومية للمواطنين.
ويقول غالياموف إن دعم الحروب يكون أسهل عندما تبدو بعيدة عن حياة الناس المباشرة، لكن هذا الدعم يبدأ في التآكل تدريجياً عندما يشعر المواطنون بأن الحرب تمس حياتهم أو حياة عائلاتهم وأصدقائهم.
وفي البداية، تميل المجتمعات – خصوصاً في الأنظمة السلطوية – إلى الالتفاف حول السلطة السياسية وتبني الرواية الرسمية التي تلقي بالمسؤولية على “العدو الخارجي”. لكن مع مرور الوقت، يبدأ البعض في التساؤل عن الكلفة الحقيقية للحرب ومن يتحمل مسؤوليتها.
من الرواية الرسمية إلى التساؤل
في المراحل الأولى من الحرب، كان كثير من الروس يتبنون الرواية التي تقول إن الهجمات الأوكرانية ليست رداً على العمليات العسكرية الروسية، بل نتيجة لما تصفه الدعاية الرسمية بـ”العداء التاريخي” تجاه روسيا.
غير أن استمرار الحرب وتعرض مناطق روسية لهجمات متكررة بطائرات مسيّرة أو قصف عبر الحدود دفع بعض المواطنين إلى التفكير في العلاقة السببية بين ما يحدث في أوكرانيا وما ينعكس داخل روسيا نفسها.
ويشير غالياموف إلى أن بعض الروس بدأوا يدركون أن الضربات الأوكرانية قد تكون رد فعل مباشر على العمليات العسكرية الروسية، وهو إدراك قد يفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول جدوى الحرب.
أنماط تاريخية في المجتمعات أثناء الحروب
تدعم دراسات تاريخية عديدة هذا النوع من التحول في الرأي العام خلال الحروب الطويلة. فقد أظهرت أبحاث حول مجتمعات خاضت صراعات ممتدة – بما في ذلك ألمانيا خلال الحرب العالمية الثانية – أن الدعم الشعبي للحرب قد يتآكل تدريجياً مع ارتفاع التكاليف البشرية والاقتصادية.
وفي الأنظمة السلطوية تحديداً، قد يستغرق هذا التحول وقتاً أطول بسبب القيود المفروضة على الإعلام والمعارضة السياسية، لكنه قد يظهر في شكل تزايد الشكوك أو تراجع الحماس الشعبي للحرب.
بداية الاستماع إلى أصوات المعارضة
وفقاً لغالياموف، فإن بعض الروس الذين كانوا يرفضون الاستماع إلى أصوات المعارضة في بداية الحرب بدأوا الآن يتابعون تحليلاتها، ولو بشكل محدود.
ويعكس هذا التحول – وإن كان بطيئاً – تغيراً في طبيعة النقاش داخل المجتمع الروسي، خاصة في المناطق التي تأثرت مباشرة بالحرب أو التي شهدت عودة أعداد كبيرة من الجنود.
لكن مراقبين يشيرون إلى أن هذا التغيير لا يزال محدوداً، وأن القبضة الأمنية والإعلامية القوية للكرملين ما تزال قادرة على ضبط المجال السياسي ومنع تشكل معارضة واسعة النطاق.
المناطق الحدودية تحت ضغط الحرب
أحد العوامل التي قد تعزز هذا التحول هو تأثير الحرب على المناطق الروسية القريبة من الحدود الأوكرانية. فهذه المناطق تعرضت خلال الأشهر الماضية لهجمات متكررة، ما أثار تساؤلات بين السكان حول قدرة الدولة على حمايتهم.
وفي مثل هذه الظروف، قد يتحول الغضب الشعبي من “العدو الخارجي” إلى انتقادات موجهة للسلطات المحلية أو المركزية بسبب ما يُنظر إليه على أنه قصور في الحماية أو إدارة الحرب.
سيناريوهات أبعد: ضغوط على وحدة الدولة
يذهب غالياموف في تحليله إلى أبعد من ذلك، حيث يرى أن استمرار الحرب لفترة طويلة قد يفتح الباب أمام نقاشات داخل روسيا حول شكل الدولة ومستقبلها السياسي.
ويشير إلى أن التاريخ الروسي شهد فترات مماثلة من التحولات العميقة، مثل مرحلة ما بعد ثورة عام 1917 أو نهاية الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات، عندما أدت الأزمات السياسية والاقتصادية إلى تصاعد النزعات الانفصالية في بعض المناطق.
ورغم أن مثل هذه السيناريوهات لا تزال بعيدة في الوقت الحالي، فإن استمرار الحرب وتفاقم آثارها الاقتصادية قد يزيد من الضغوط الداخلية على النظام السياسي.
حرب طويلة قد تغير المزاج الروسي
حتى الآن، لا توجد مؤشرات واضحة على انهيار الدعم الشعبي للكرملين، كما أن الدولة الروسية ما تزال تسيطر بشكل كبير على المجال الإعلامي والسياسي.
ومع ذلك، يرى محللون أن الحروب الطويلة غالباً ما تترك آثاراً تدريجية في المجتمعات، خاصة عندما تترافق مع أعباء اقتصادية متزايدة وخسائر بشرية مستمرة.
وفي هذا السياق، قد لا يكون التغيير في روسيا سريعاً أو دراماتيكياً، لكنه قد يتراكم ببطء مع مرور الوقت، ما يجعل المزاج العام أكثر تعقيداً مما كان عليه في بداية الحرب.






