دخلت المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط، صباح الجمعة، مرحلة شديدة الحساسية، في لحظة إقليمية مثقلة بآثار الحرب والضربات العسكرية، وبقدر غير مسبوق من الشك المتبادل بين الطرفين.
فالوصول المتزامن لمواكب الوفدين إلى القصر المخصص للمباحثات على مشارف العاصمة العُمانية لم يكن مجرد تفصيل بروتوكولي، بقدر ما عكس محاولة دقيقة لإعادة ضبط إيقاع العلاقة بين خصمين يقفان منذ أشهر على حافة مواجهة مفتوحة.
ورصد مراسلو وكالة “أسوشييتد برس” موكبًا أمريكيًا يدخل القصر القريب من مطار مسقط الدولي، وقد رفعت إحدى السيارات الأعلام الأمريكية، في حين كانت مركبات تقل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد سبقت الوصول، بعد اجتماع تمهيدي جمعه بنظيره العُماني بدر البوسعيدي، وفق ما أفاد به التلفزيون الإيراني الرسمي.
وسرعان ما غادر الموكب الإيراني إلى الفندق الذي يقيم فيه الوفد، في مشهد يعكس الطابع المغلق والحساس لهذه الجولة.
اختيار مسقط لم يكن مصادفة. فالسلطنة التي اعتادت لعب دور القناة الهادئة بين طهران وواشنطن، استضافت في القصر نفسه جولات تفاوضية سابقة خلال عام 2025، وهو ما يعزز من فرضية أن هذه المحادثات تقوم أساسًا على إدارة أزمة أكثر مما تسعى إلى صياغة اختراق سياسي كبير.
عودة قسرية إلى المسار العُماني
تأتي هذه الجولة بعد أسبوع وُصف داخل الأوساط الدبلوماسية بالمضطرب، إذ جرى الحديث في بدايته عن صيغة تفاوضية أوسع تضم أطرافًا إقليمية، وكان من المفترض أن تُعقد في تركيا، قبل أن تتلاشى هذه الفكرة سريعًا ويُعاد توجيه المسار إلى مسقط.
هذا التراجع عن الصيغة الموسّعة يعكس، في جوهره، إدراكًا مشتركًا بأن إدخال أطراف إضافية في هذه المرحلة قد يفاقم التعقيد بدل أن يخففه، وأن القناة العُمانية تظل، بالنسبة للطرفين، الإطار الأقل تكلفة سياسيًا والأكثر قابلية لضبط التسريبات والضغوط الإعلامية.
مفاوضات تُولد من رحم حرب قصيرة
يصعب فصل ما يجري في مسقط عن الحرب التي اندلعت في يونيو الماضي بين إسرائيل وإيران واستمرت اثني عشر يومًا، إذ شكّلت تلك المواجهة نقطة تحول مفصلية في حسابات الطرفين.
فخلال تلك الحرب، نفذت الولايات المتحدة ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية، يُرجّح أنها أدت إلى تدمير عدد من أجهزة الطرد المركزي التي كانت تُستخدم في تخصيب اليورانيوم بدرجات مرتفعة تقترب من مستوى الاستخدام العسكري.
كما أسفرت الضربات الإسرائيلية عن إضعاف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية وإصابة أجزاء مهمة من ترسانة الصواريخ الباليستية.
هذا السياق يجعل المفاوضات الحالية مشبعة بإرث عسكري ثقيل، ويضع الوفدين أمام واقع ميداني جديد يختلف جذريًا عن جولات الحوار السابقة، حين كانت القدرة النووية الإيرانية أقل تضررًا، وكان ميزان الردع أكثر استقرارًا.
واشنطن تراهن على لحظة ضعف إيرانية
داخل الإدارة الأمريكية، يبرز اعتقاد واضح بأن إيران تمر بأحد أكثر فصولها هشاشة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
ويستند هذا التقدير، الذي عبّر عنه وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، إلى الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها البلاد الشهر الماضي، والتي اعتُبرت أكبر تحدٍّ مباشر لسلطة المرشد الأعلى علي خامنئي، البالغ من العمر 86 عامًا.
وقد قابلت السلطات الإيرانية تلك الاحتجاجات بحملة أمنية عنيفة، خلّفت آلاف القتلى وعشرات الآلاف من المعتقلين، بحسب تقديرات أمريكية، وهو ما دفع الرئيس دونالد ترامب إلى إعادة التلويح بالخيار العسكري ضد طهران.
وفي موازاة ذلك، عززت واشنطن وجودها العسكري في المنطقة عبر نشر حاملة الطائرات “يو إس إس أبراهام لينكولن” وعدد من السفن الحربية والطائرات المقاتلة، بما يوفّر – نظريًا – قدرة جاهزة على تنفيذ ضربة واسعة إذا ما اتُّخذ القرار السياسي.
لكن المفارقة أن هذا الاستعراض للقوة لم يُترجم حتى الآن إلى قناعة راسخة داخل واشنطن بجدوى الخيار العسكري، بقدر ما استُخدم كرافعة ضغط تفاوضي.
معضلة القوة… ماذا بعد الضربة؟
رغم تفوقها العسكري، تدرك الولايات المتحدة أن أي هجوم إضافي على إيران لا يضمن بالضرورة تغيير سلوكها الإقليمي أو كبح برنامجها النووي على المدى البعيد، فضلًا عن أن كلفة الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تكون أعلى بكثير من مكاسبها السياسية.
من هنا، تبدو محادثات مسقط محاولة لشراء الوقت، وإعادة اختبار إمكانية فرض تسوية محدودة، بدل القفز نحو سيناريو يصعب التحكم في تداعياته.
غموض متعمّد حول طبيعة المحادثات
حتى الساعات الأخيرة التي سبقت انطلاق الاجتماعات، ظل الغموض سيد الموقف.
فلا تركيبة الوفود المشاركة أُعلنت رسميًا، ولا الصيغة الإجرائية للمحادثات، ولا حتى ما إذا كانت مباشرة أم عبر وساطة عُمانية خالصة.
وقد عكس التشديد الأمني الملحوظ على الحدود العُمانية، والتحفظ تجاه دخول معدات تصوير، رغبة واضحة في إدارة هذه الجولة بعيدًا عن الأضواء، في ظل حساسية أي تسريب قد يربك التوازنات الداخلية لدى الطرفين.
طبس… عندما تتحول الجغرافيا إلى رسالة سياسية
من الجانب الإيراني، وصل وزير الخارجية عباس عراقجي إلى مسقط ليلًا برفقة عدد من الدبلوماسيين، بحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية.
غير أن بيانات تتبع الرحلات الجوية كشفت أن الطائرة أقلعت من مدينة طبس، المرتبطة في الذاكرة الإيرانية بعملية “مخلب النسر” الأمريكية الفاشلة عام 1980.
في تلك العملية، التي استهدفت تحرير رهائن السفارة الأمريكية في طهران، أدت عاصفة رملية مفاجئة إلى فشل المهمة ومقتل ثمانية عسكريين أمريكيين إثر اصطدام مروحية بطائرة تزويد بالوقود.
ومنذ ذلك الحين، تحوّلت طبس في الخطاب الرسمي الإيراني إلى رمز لما يوصف بـ”الخذلان الأمريكي” و”التدخل الإلهي”.
اختيار نقطة الانطلاق، في هذا التوقيت بالذات، بدا وكأنه رسالة سياسية مبطّنة تؤكد أن طهران تدخل التفاوض وهي محمّلة بذاكرة صراعية طويلة، لا بنية قطيعة مع الماضي.
عراقجي تحت مظلة المرشد
في موازاة التحركات الدبلوماسية، حرص عباس عراقجي على توجيه رسالة سياسية عبر منصة “إكس”، قال فيها إن إيران تدخل هذه الجولة “بوعي كامل وذاكرة واضحة للعام الماضي”، مشددًا على أن أي اتفاق لا يمكن أن يقوم إلا على أساس الالتزام المتبادل والمساواة في المعاملة.
وقبيل بدء الاجتماعات، خرج علي شمخاني، أحد أبرز مستشاري المرشد الأعلى، ليؤكد دعم المؤسسة العليا للمفاوض الإيراني، واصفًا إياه بـ”المفاوض الماهر والاستراتيجي” الذي يحظى بثقة أعلى مستويات صنع القرار العسكري والاستخباراتي.
هذا الدعم العلني لا ينفصل عن حاجة طهران إلى تحصين فريقها التفاوضي داخليًا، في ظل تصاعد الأصوات المتشددة التي ترى في أي انفتاح على واشنطن تنازلًا غير مبرر في لحظة ضغط.
وفد أمريكي بطابع غير تقليدي
في الجهة المقابلة، تشير المعلومات إلى أن المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف يقود الجانب الأمريكي في هذه الجولة.
ويتكوف، رجل الأعمال البارز في قطاع العقارات والمقرّب من الرئيس دونالد ترامب، لا ينتمي إلى المدرسة الدبلوماسية التقليدية، وهو ما يعكس بحد ذاته مقاربة مختلفة تعتمدها الإدارة الحالية في إدارة الملفات الحساسة.
ويرافق ويتكوف في جولته الإقليمية جاريد كوشنر، صهر الرئيس، الذي شارك خلال الأسابيع الماضية في تحركات متعددة، شملت مشاورات ثلاثية بين روسيا وأوكرانيا في أبو ظبي، إضافة إلى مبادرات سياسية متعلقة بقطاع غزة.
ما الذي تريد إيران من هذه الجولة؟
تصرّ طهران على أن تقتصر المحادثات على ملفها النووي فقط، وترفض إدراج أي ملفات تتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية أو شبكة حلفائها الإقليميين المعروفة بـ“محور المقاومة”.
كما تعتبر إيران أن وقف برنامج التخصيب أو شحن مخزون اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد يشكل خطًا أحمر، رغم تلميحات روسية سابقة بإمكانية استضافة هذا المخزون.
وبالنسبة لطهران، فإن أي محاولة لربط المفاوضات بملفات النفوذ الإقليمي أو السياسة الداخلية تُعد، من وجهة نظرها، تجاوزًا متعمدًا لحدود التفاهم الممكن.
واشنطن توسّع السقف… وطهران تضيق الدائرة
على النقيض من ذلك، يطرح الجانب الأمريكي مقاربة شاملة.
فوزير الخارجية ماركو روبيو أكد أن أي اتفاق قابل للحياة يجب أن يتناول برنامج الصواريخ الباليستية، ودعم الجماعات المسلحة في المنطقة، إضافة إلى البرنامج النووي، وسجل حقوق الإنسان داخل إيران.
لكن روبيو لم يُخفِ في الوقت نفسه حجم الشكوك، حين قال للصحفيين:
“لست متأكدًا من أننا سنتمكن من التوصل إلى اتفاق معهم، لكننا سنحاول أن نعرف ذلك”.
تفاوض على حدود الانفجار
في المحصلة، لا تبدو مفاوضات مسقط مسارًا كلاسيكيًا نحو اتفاق شامل يعيد رسم العلاقة بين واشنطن وطهران، بقدر ما تبدو محاولة دقيقة لإدارة لحظة شديدة الخطورة.
فالولايات المتحدة تستخدم ثقلها العسكري كورقة ضغط، لكنها تدرك أن الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
وإيران، من جهتها، تدخل التفاوض من موقع متأثر بالضربات العسكرية وبالضغط الداخلي، لكنها ما تزال تراهن على قدرتها على الصمود والمناورة.
وبين هذا وذاك، تتحول طاولة مسقط إلى مساحة ضيقة للتفاهم، لا على تسوية كبرى، بل على منع الانفجار… على الأقل في المدى القريب.




