في تطور غير مسبوق منذ أكثر من عقد، استقبل الرئيس السوري أحمد الشرع وزوجته لطيفة الدروبي، الأدميرال تشارلز برادلي كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، برفقة عقيلته، إضافة إلى المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توماس باراك ووفد رفيع المستوى. اللقاء الذي جرى في قصر الشعب بدمشق بحضور وزراء وكبار المسؤولين السوريين، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل إشارة واضحة إلى أن خطوط التواصل المباشر بين دمشق وواشنطن أعيد فتحها بعد سنوات من القطيعة والصراع العلني.
البيان الرسمي الصادر عن الرئاسة السورية تحدث عن “حرص مشترك على تعزيز الشراكة الاستراتيجية وتوسيع قنوات التواصل”، وهي صياغة لافتة في حد ذاتها. فدمشق تدرك أن أي انفتاح أميركي، مهما كان محدوداً، يشكل مكسباً سياسياً كبيراً يعيدها إلى طاولة الفعل الإقليمي والدولي. أما واشنطن، فترى أن إبقاء سوريا خارج المعادلات لم يعد واقعياً، خاصة مع استمرار نفوذ موسكو وطهران داخل الأراضي السورية. وهنا تكمن المصلحة المتبادلة: دمشق تحتاج إلى كسر عزلتها، بينما تحتاج واشنطن إلى موطئ قدم في الملف السوري لضبط التوازنات.
من المواجهة إلى إعادة الحسابات
منذ اندلاع الأزمة السورية عام 2011، اتسمت السياسة الأميركية تجاه دمشق بالضغط والعقوبات، مع دعم سياسي ولوجستي لفصائل معارضة في مراحل معينة. لكن التحولات الإقليمية والدولية، إلى جانب تعقّد الملفات الأمنية في المنطقة، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر في مقاربتها. فالولايات المتحدة اليوم، وبعد تجاربها المكلفة في العراق وأفغانستان، باتت أكثر ميلاً إلى إدارة التوازنات عبر الحوار بدل الانخراط في مواجهات مباشرة. زيارة كوبر إلى دمشق تعكس هذا التوجه، إذ تُفهم على أنها محاولة لاختبار فرص التعاون في ملفات محددة، وعلى رأسها مكافحة الإرهاب وضبط النفوذ الإقليمي.
السياق الإقليمي الأوسع
لا يمكن فصل هذا اللقاء عن المشهد الإقليمي. فالتقارب العربي–العربي، الذي تُرجم بعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، شكّل أرضية أولية لتخفيف التوترات. في الوقت نفسه، فإن انشغال الولايات المتحدة بملفات كبرى مثل الصين وأوكرانيا يجعلها أكثر ميلاً لإيجاد تسويات عملية في الشرق الأوسط بدل الاستنزاف المستمر. بالنسبة لواشنطن، فإن الانفتاح على دمشق قد يكون أيضاً وسيلة لاحتواء النفوذ الروسي المتزايد، فيما ترى دمشق في هذا التقارب فرصة للموازنة بين تحالفاتها التقليدية (مع موسكو وطهران) وبين أي انفتاح محتمل على الغرب.
اختبار للنوايا أم بداية مسار؟
رغم الإشارات الإيجابية، يبقى السؤال الجوهري مطروحاً: هل نحن أمام خطوة تكتيكية ظرفية، أم بداية لمسار سياسي طويل الأمد؟ المؤشرات الأولية توحي أن الطرفين يتعاملان بحذر شديد. الولايات المتحدة لا تزال مترددة في تقديم تنازلات كبيرة، فيما تحرص دمشق على ألا تبدو وكأنها تبتعد عن حلفائها الروس والإيرانيين. ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد الاجتماع بهذا المستوى يفتح الباب أمام مسار تدريجي قد يعيد رسم قواعد اللعبة في الملف السوري، وربما يطلق مرحلة جديدة عنوانها الحوار بدل العزلة.







