تشكل الانتخابات التشريعية العراقية المقررة في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 محطة حاسمة في مسار التجربة الديمقراطية التي تشهدها البلاد منذ عام 2003، حيث يتوجه الناخبون لاختيار 329 نائباً يمثلونهم في مجلس النواب، وهو المؤسسة التي ينبثق عنها لاحقاً تشكيل الحكومة الجديدة. وتأتي هذه الانتخابات وسط حالة من الترقب السياسي، والسعي الرسمي إلى ضمان نزاهة العملية الانتخابية، وتفادي تكرار أزمات التشكيك والطعن التي رافقت انتخابات عام 2021.
رسائل طمئنة بتحصين النتائج
مدير الفريق الإعلامي في المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، عماد جميل، أكد أن المفوضية استحدثت إجراءات فنية وقانونية جديدة تهدف إلى تأمين أعلى درجات الشفافية، وتقليص فرص التلاعب أو الطعون الواسعة. وأوضح أن إعلان النتائج الأولية سيكون خلال 24 ساعة فقط من إغلاق صناديق الاقتراع، أي في الثاني عشر من نوفمبر، في خطوة غير مسبوقة تعكس الثقة في جاهزية النظام الإلكتروني واللوجستي للمفوضية. أما النتائج النهائية، فستُعلن بعد استكمال دراسة الشكاوى ومعالجة الحالات الفنية، لتُفتح بعدها فترة الطعون أمام الهيئة القضائية المختصة بالانتخابات.
وتتضمن الإجراءات الجديدة اعتماد نظام مزدوج للعدّ والفرز يجمع بين الإلكتروني واليدوي، إضافة إلى تركيب كاميرات مراقبة بالصوت والصورة في جميع المراكز الانتخابية، وتفعيل أجهزة تحقق تُصوّر الناخب لمنع حالات انتحال الهوية. كما تُشرف بعثة الأمم المتحدة في العراق (يونامي) على العملية الانتخابية بصفة المراقب الفني، بالتعاون مع فرق دولية ومحلية، في حين ينتشر آلاف المراقبين من منظمات المجتمع المدني داخل محطات الاقتراع، إلى جانب ممثلي الأحزاب والتحالفات السياسية. وتأتي هذه المنظومة الرقابية المعززة في إطار سعي المفوضية إلى طمأنة الناخبين والقوى السياسية بأن النتائج ستكون محصنة ضد أي خروق محتملة.
مفاوضات معقدة لتشكيل التحالفات
وفي ما يخص مرحلة ما بعد الانتخابات، فإن تشكيل الحكومة العراقية يرتبط عضوياً بتركيبة البرلمان الجديد، إذ يحدد الدستور أن الكتلة الأكبر تحت قبة مجلس النواب هي التي تكلّف بتسمية رئيس الوزراء. ويجري العرف السياسي منذ عام 2003 على توزيع المناصب السيادية وفق مبدأ “المحاصصة التوافقية”، حيث يتولى الأكراد منصب رئيس الجمهورية، ويتولى الشيعة رئاسة الوزراء، بينما يشغل السنّة رئاسة البرلمان.
وبعد إعلان النتائج النهائية ومصادقتها من المحكمة الاتحادية، تبدأ مفاوضات معقدة بين القوى الفائزة لتشكيل التحالفات البرلمانية التي ستمكّن إحدى الكتل من نيل صفة “الكتلة الأكبر”، وبالتالي اقتراح اسم رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة خلال 30 يوماً.
التداول السلمي للسلطة
وتعتمد سرعة استكمال هذا المسار على مدى التفاهم بين القوى السياسية العراقية، إذ كثيراً ما عطّلت الخلافات المذهبية أو الحزبية تشكيل الحكومات السابقة لشهور طويلة. أما في حال فشل المكلف في تشكيل الحكومة ضمن المهلة الدستورية، فيُكلَّف مرشح آخر، وتُعاد المفاوضات حتى التوصل إلى توافق يضمن نيل الحكومة ثقة البرلمان بالأغلبية المطلقة.
بهذه المعطيات، تمثل انتخابات 2025 اختباراً جديداً لمدى قدرة العراق على تجاوز التجاذبات التقليدية وتثبيت قواعد التداول السلمي للسلطة، عبر عملية انتخابية شفافة وسريعة النتائج. كما أنها تعكس رغبة الدولة في تعزيز ثقة المواطنين بالنظام الديمقراطي، من خلال إجراءات تكنولوجية ورقابية غير مسبوقة، قد تفتح الباب أمام استقرار سياسي نسبي إذا ما نجحت في إنتاج برلمان متوازن وحكومة تحظى بشرعية انتخابية واضحة.






