منذ أكثر من قرن، لم تتبدّل الفكرة الجوهرية التي تصوغ نظرة روسيا إلى نفسها وإلى العالم: إما أن تكون قوة تُهاب، أو لا تكون على الإطلاق.
تلك العقيدة التي وُلدت مع لينين، وترسّخت في عهد ستالين، وحاول غورباتشوف ترويضها دون أن ينجح، أعاد بوتين بعثها من جديد بثوبٍ قوميٍّ محدث، ليمنحها شرعية القرن الحادي والعشرين، ولكن بأدوات القرن الماضي.
فمنذ الأيام الأولى للثورة البلشفية، تعاملت موسكو مع “القوة” لا كوسيلةٍ للحماية أو النفوذ، بل كهويةٍ وجوديةٍ تحدد معنى الدولة الروسية ذاتها.
لينين رأى في الثورة العالمية طريقاً لفرض فكرةٍ لا تقل شمولية عن الإمبراطورية القيصرية، بينما بنى ستالين نموذج “روسيا الحديدية” التي تهيمن بالقوة وتعيش بالخوف.
ثم جاء غورباتشوف في الثمانينيات محاولاً إحداث مصالحة بين الانفتاح الاقتصادي وبقاء الهيمنة السياسية، لكنه اصطدم بحقيقة أن النظام الذي تشكّل على فكرة الصراع لا يعرف كيف يعيش في السلم.
ومع انهيار الاتحاد السوفييتي، اعتقد الغرب أن روسيا الجديدة ستتخلّى عن أحلامها القديمة، وأنها ستدخل مرحلة “ما بعد الأيديولوجيا”، لتصبح دولة طبيعية تبحث عن النمو والاندماج في السوق العالمية.
لكنّ ما لم يفهمه الغرب هو أن روسيا لم تكن أسيرة نظامٍ سياسي، بل أسيرة وعيٍ تاريخي — وعيٍ إمبراطوري يرى أن الجغرافيا قدر، وأن الانكماش ضعف، وأن احترام العالم لا يُنال بالتجارة بل بالخوف.
لهذا، حين صعد فلاديمير بوتين إلى السلطة مطلع الألفية، لم يكن مجرّد ضابط سابق في جهاز الاستخبارات يعيد تنظيم الدولة بعد فوضى التسعينيات، بل وريثاً لقرنٍ من القناعة بأن الهيمنة ضرورة وجودية.
ومع مرور الوقت، لم يكتف بوتين باستعادة أدوات الدولة العميقة، بل أعاد عسكرة الهوية الروسية نفسها: جعل من الجيش رمزاً للوحدة، ومن الحرب امتداداً للسياسة، ومن الصراع مع الغرب عنواناً للكرامة الوطنية.
غير أن العالم تغيّر.
فالقرن الحادي والعشرون لا يُدار بالدبابات ولا بالمساحات الجغرافية، بل بالتكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، وسلاسل القيمة الاقتصادية.
ورغم ذلك، ما زالت موسكو تحاول أن تُثبت وجودها بطرق القرن العشرين — دولةٌ تبحث عن المجد في معركةٍ خاسرة مع الزمن.
الدولة والهيمنة: من لينين إلى ستالين
منذ نشر Vladimir Lenin مؤلّفه «The State and Revolution» عام 1917، لم يكن النقاش مقصوراً على تغيّر اجتماعي فحسب، بل على “نظرية الدولة” بحدّ ذاتها. في هذا العمل، يرى لينين أن الدولة ليست خادمة للمجتمع، بل هي «منظمة للقوة لخدمة قِلّةٍ ثورية». Marxists Internet Archive+2The Communist+2
من هذا المنطلق بنى رؤيةً تجعل الأمة وسيلة لخدمة الدولة الثورية، لا العكس. وجدت هذه الفكرة طريقها ثمّ إلى تجلٍّ في عهد Joseph Stalin، عندما تحوّل “الاتحاد السوفييتي” إلى قلعةٍ عسكريةٍ مغلقة — محاطة بالأعداء الحقيقيين والمتخيّلين — وتمّ بناء مفهوم “الدولة المطلقة” التي تستمر طالما يوجد عدوان رأسمالي أو خارجي مهدِّد.
ما سبق ليس تاريخاً منقضياً، بل هو جذورٌ ترسم أوجه العلاقة الروسية الحديثة بين الدولة والمجتمع. وفي سياق هذا الإرث، يظهر Vladimir Putin اليوم وكأنه وريثٌ لهذا النموذج — دولةٌ قوية في عالمٍ معولم، لكنها منغلقة في وعيها التاريخي، تعيد كتابة ماضيها وتحوّل الجيش من أداة دفاع إلى ركيزة هوية وطنية.
هذا التحليل يبيّن أن أفكاراً نظريّةً ظهرت في بداية القرن العشرين لا تزال تشكّل الإطار الفكري لبُنى الدولة الروسية حتى اليوم، ما يُفسّر جزئياً تأخّرها في موالاة معايير القوة الجديدة التي تحكم العالم: الاقتصاد المعرفي، العولمة، الابتكار… فحين تُحكم الدولة من منطلق “القوة أولاً” تصبح المجتمعات وليدةً للخدمة لا شريكةً في القرار.
إعادة التأطير تحت بوتين
في المجمل، يمكن القول إن ما يجمع بين لينين وستالين وبوتين ليس فقط أدوات الحكم السلطوية، بل رؤيةٌ تفترض أن الدولة تحتكر سيطرة القرار والمجتمع أداة لخدمة تلك السيطرة. وهذا ما يضع روسيا اليوم في مفترق: إما أن تُجرّد من تراثها الإمبراطوري لتتبنّى دولة المعارف والتقنية، أو أن تواصل السير في طريق لا يتناسب مع واقع العالم الجديد، وتُصبح – رغم ترسانتها – لاعباً أقلّ تأثيراً في خارطة القوة العالمية.
الوعي العسكري بدل الوعي المدني
روسيا الحديثة، رغم امتلاكها واحدة من أكبر الترسانات النووية في العالم، ما تزال تفكّر بعقلية الحرب الباردة. فبينما تتحرك القوى الكبرى نحو الاقتصاد الرقمي والطاقة النظيفة والذكاء الاصطناعي، تواصل موسكو توجيه مواردها إلى سباقات تسلّح وصناعات عسكرية مكلفة، لا تحقق عائداً اقتصادياً ملموساً، بل تزيد من عزلتها عن النظام المالي العالمي.
يقول محللون إن هذا النهج يجعل روسيا «قوة عظمى في الزمن الخطأ» — دولة ما زالت ترى في القوة العسكرية أداة الحضور الوحيدة في عالمٍ تحكمه التكنولوجيا والتجارة والابتكار.
من أوكرانيا إلى جورجيا وسوريا، تحاول موسكو استعادة موقعها الإمبراطوري عبر التدخلات المسلحة، لكنّ النتائج جاءت عكسية: اقتصاد منهك بفعل العقوبات والعزلة، نزيف مستمر في الكفاءات والعقول، واعتماد متزايد على الصين في مجالات الطاقة والتجارة والتقنية.
هذا المسار لا يعكس استراتيجية توسّع بقدر ما يعبّر عن سياسة دفاعية بهيئة هجومية؛ فروسيا التي تصف نفسها بأنها محاصَرة من الغرب، اختارت أن تردّ بتوسيع حدود الصراع، حتى لو كان الثمن استنزافاً طويل المدى لقدراتها الاقتصادية والبشرية.
وفق تقرير International Institute for Strategic Studies (IISS) لعام 2025، ارتفعت نسبة الإنفاق العسكري الروسي إلى أكثر من 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من الأعلى في العالم، مقابل تراجع الاستثمار في البحث العلمي والتعليم إلى أدنى مستوياته منذ عقد.
بهذه المعادلة، تحوّلت موسكو من قوة تسعى إلى المنافسة العالمية إلى دولةٍ تقاتل لتثبيت نفوذها التقليدي، فيما تتقدّم الدول الأخرى في سباق المستقبل.
إنها ليست حرباً على الحدود فحسب، بل حربٌ ضد الزمن — زمنٌ تجاوز فكرة الإمبراطورية، لكن روسيا ما زالت تحاول إعادة بنائها قطعةً بعد أخرى، مهما كان الثمن.
غورباتشوف: آخر من فهم أن العالم تغيّر
منذ تولّيه مقاليد السلطة في عام 1985، بدا ميخائيل غورباتشوف مدركاً أن روسيا لن تستمر كقوة عظمى وفق معايير القرن التاسع عشر: ليس منطق القوة العسكرية وحده كافياً، بل المعركة الحقيقية اليوم تُخاض عبر الأفكار والاقتصاد والتحول الاجتماعي.
لقد أطلق غورباتشوف سياسات “جلاسنوست” (الانفتاح) و”بيريسترويكا” (الإصلاح الهيكلي) سعيًا لإدخال الاتحاد السوفييتي في العصر الحديث، فسمح بحريةٍ غير مسبوقة للخطاب العام، وفتح المجال للاقتصاد إلى حدٍّ أولي، وأشرك البرلمان والمجتمع المدني في التجربة السياسية.
لكن هذه الإصلاحات جاءت متأخرة، وفي وقتٍ لم يكن فيه النظام المركزي جاهزاً للتخلي عن أدوات القمع والتنمير، فتح كماً هائلاً من الأزمات: انفجارات داخل الجمهوريات، انهيار اقتصادي سريع، وتراجع لسلطة الدولة المركزية.
ولذلك، يرى كثير من المؤرخين الروس أن فلاديمير بوتين لا يرفض غورباتشوف كشخص، بل يرفض فكرته الأساسية: أن القوة يمكن أن تأتي من الحرية، وأن الدولة التي تمنح مساحة للمجتمع أكثر من التركيز على الأمن والمركزية قد تُفقد السيطرة.
وهذا يعكس جوهر المعضلة الروسية منذ نحو قرن: الخوف من أن تؤدي الحرية إلى التفكّك، والإيمان بأن القبضة الحديدية هي الضمان الوحيد للوحدة والسيادة، رغم أن هذا النموذج يبدو اليوم معرقلاً أمام تحديات العولمة والتكنولوجيا.
التمثال الكبير… والسوس الصامت
رغم ما يبدو من تماسك روسي في مواجهة العقوبات الغربية والحصار المالي، تشير مؤشرات متعددة إلى أن الخطر الحقيقي الذي يهدد موسكو لا يأتي من الخارج، بل من داخل بنيتها نفسها. فالتاريخ الروسي، منذ عهد القياصرة مروراً بالاتحاد السوفييتي وصولاً إلى عهد بوتين، يُظهر أن الانهيارات الكبرى كانت تبدأ من الداخل — من لحظة عجز المنظومة عن تجديد ذاتها، لا من هجوم خارجي أو مؤامرة غربية.
الاقتصاد الروسي، وإن أظهر قدرة على الصمود النسبي بفضل صادرات الطاقة والاحتياطات النقدية، يبقى اقتصاداً ريعياً هشاً يعتمد على النفط والغاز بنسبة تتجاوز 45% من الإيرادات العامة، بحسب بيانات البنك الدولي (2024). هذا الاعتماد المفرط يجعل الدولة عرضة لتقلبات الأسعار العالمية، ويُضعف قدرتها على تطوير قطاعات الابتكار والتكنولوجيا التي أصبحت محرك النمو في الاقتصادات المتقدمة.
في المقابل، تظلّ مشكلة الفساد البنيوي إحدى أكثر نقاط الضعف عمقاً في النظام الروسي. فبحسب مؤشر منظمة الشفافية الدولية لعام 2024، تحتل روسيا المرتبة 141 من أصل 180 دولة، ما يعكس استمرار تغوّل الأوليغارشية وشبكات النفوذ داخل مؤسسات الدولة. هذا النمط، الذي يقوم على الولاء السياسي لا الكفاءة، يعيد إنتاج حلقة مغلقة تُبقي القرار الاقتصادي والعسكري في يد نخبة محدودة، بينما تُهمّش الكفاءات وتُهاجر العقول.
أما في المجال الاجتماعي والمعرفي، فقد أدى تراجع التعليم والبحث العلمي إلى انكماش مساحة الإبداع المدني. فبينما تستثمر الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي في الذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة، توجه موسكو ما يزيد على 6% من ناتجها المحلي إلى الإنفاق العسكري، مقابل أقل من 1% للبحث العلمي، وفق بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام الدولي (SIPRI).
هذا الاختلال البنيوي جعل روسيا تُنفق على الحرب أكثر مما تُنفق على المستقبل، وتراهن على القوة بدلاً من المعرفة، وعلى الخوف بدلاً من الثقة. النتيجة: مجتمع مغلق، واقتصاد جامد، ونظام سياسي يزداد صلابة كلما ازداد خوفه من التغيير.
قد لا تنهار روسيا غداً، وربما لا بعد عام، لكنها تواجه مساراً داخلياً متآكلاً يشبه التآكل البطيء للشجرة الكبيرة التي تنخرها الديدان من الداخل. الشقوق التي تظهر اليوم في التمثال الإمبراطوري ليست بعد كافية لإسقاطه، لكنها تتسع كل يوم. وحين يسقط، كما يقول المؤرخ البريطاني Timothy Garton Ash، “لن يكون بسبب ضربة من الخارج، بل لأن وزنه صار أثقل من قدرته على الصمود”.







