أصدرت وزارة الداخلية بالحكومة المكلّفة من البرلمان شرق ليبيا تعميماً يمنع أفراد الشرطة من إطلاق لحاهم، مبررة ذلك برغبتها في الحفاظ على “المظهر الانضباطي والموحّد” لمنتسبي المؤسسة الأمنية. القرار الذي وقّعه وكيل الوزارة فرج منصور العبدلي جاء بصيغة إلزامية، مشدداً على أن المخالفين سيُعرضون للمساءلة القانونية، في إطار ما وصفته الوزارة بتأكيد الانضباط العسكري وتنفيذ متطلبات العمل الشرطي بمظهر رسمي متجانس.
الأبعاد التنظيمية والانضباطية
من منظور الوزارة، يُمثل القرار امتداداً لجهودها في إعادة ضبط المؤسسة الأمنية وإبعادها عن أي رموز أو ممارسات قد تُفسر سياسياً أو دينياً. فإطلاق اللحية، في بعض السياقات، ارتبط بتنظيمات أو تيارات معينة، وهو ما تعتبره الداخلية تهديداً لصورة الشرطة كمؤسسة مهنية محايدة. هذا التوجه يعكس رغبة السلطات في فرض صورة متجانسة للجهاز الأمني، خصوصاً في ظل تحديات أمنية مستمرة ومحاولات إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة.
ردود الفعل في الشارع الليبي
أثار القرار جدلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي. فبينما رحّب به البعض باعتباره إجراءً ضرورياً لاستعادة الانضباط وهيبة الشرطة، اعتبره آخرون تعدياً على الحريات الفردية.
-
مؤيدو القرار، مثل الناشط صالح الفان، رأوا فيه “خطوة صائبة” تحفظ هيبة الجهاز الأمني، بينما اعتبر مدونون آخرون أن حلق اللحية شرط طبيعي للنظافة والانضباط، كما هو معمول به في مؤسسات أمنية وعسكرية حول العالم.
-
في المقابل، وصف معارضون مثل عبد المنعم أحمودة القرار بأنه “مجحف” ويقيد الحرية الشخصية، متسائلين إن كانت اللحية تعيق عمل الشرطي فعلياً، ومطالبين بالتركيز على تطوير الأداء عوض الانشغال بالشكليات.
السياق التاريخي والسياسي
منذ عام 2011، سُمح لأفراد الجيش والشرطة الليبيين بإطلاق لحاهم بقرار من وزارتي الدفاع والداخلية آنذاك، بدعم من المفتي السابق الصادق الغرياني، وهو ما جعل اللحية رمزاً للمرحلة التي أعقبت الثورة وصعود التيارات الإسلامية. اليوم، يأتي القرار الجديد في سياق سياسي وأمني مختلف، حيث تسعى الحكومة المكلفة شرق البلاد إلى فرض سيطرة أكبر على المؤسسات الأمنية وإبعادها عن أي مظاهر قد ترتبط بالانقسام الأيديولوجي أو السياسي.
قراءة تحليلية
القرار يعكس معركة أوسع حول هوية الدولة الليبية وحدود الحريات الفردية في ظل نظام سياسي منقسم وصراع بين قيم “الدولة المدنية” ومتطلبات الانضباط الأمني. كما يمكن النظر إليه كخطوة لإعادة صياغة صورة الشرطة باعتبارها جهازاً محايداً يخدم الدولة فقط، بعيداً عن رمزية اللحية التي قد تُستخدم كإشارة سياسية أو دينية. غير أن فرض مثل هذه القرارات دون توافق اجتماعي قد يفاقم الانقسامات، خاصة في مجتمع محافظ يرى في بعض المظاهر الدينية جزءاً من الهوية الشخصية.






