أعاد دونالد ترامب ضبط إيقاع الأزمة مع طهران عبر مهلة زمنية قصيرة وصريحة. “عشرة أيام” للفصل بين مسارين متناقضين: تفاهم سريع يخفف ضغط العقوبات ويعيد ضبط البرنامج النووي الإيراني، أو انتقال مدروس إلى خيارات ضغط أشد، لا يستبعد فيها البيت الأبيض ضربة محدودة. خلف اللغة المقتضبة، تتحرك حسابات أكبر من مجرد تصريح عابر؛ حسابات تتصل بتوازن الردع في الشرق الأوسط، وبسوق الطاقة، وبصورة واشنطن التفاوضية بعد سنوات من مسارات متعثرة.
مهلة سياسية بقدر ما هي تفاوضية
لغة المهلة ليست تقنية بحتة. فهي رسالة ضغط موجهة إلى طهران، وإشارة طمأنة لحلفاء إقليميين يريدون سقفاً واضحاً لحدود التساهل الأمريكي. التلويح بـ“دراسة” خيار الضربة المحدودة يضع التفاوض داخل إطار ردعي، يهدف إلى تسريع الإيقاع ومنع إطالة الوقت على طاولة المحادثات. في المقابل، حرصت طهران على نزع صفة “الإنذار النهائي”، مؤكدة أن ما يجري هو بحث عن صيغة سريعة تخدم الطرفين. هذا التباين في توصيف اللحظة يكشف فجوة الثقة: واشنطن تريد التزاماً قابلاً للقياس خلال أيام، وطهران تريد مساحة تفاوض تحفظ لها خطوطها الحمراء.
الاقتصاد الإيراني كعامل ضغط داخلي
رهان طهران على تخفيف العقوبات ليس تفصيلاً. سنوات من القيود المالية والقيود على الصادرات شلّت قطاعات واسعة، ودفعت الريال إلى تراجعات متلاحقة، مع تضخم مزمن يقضم القدرة الشرائية. الاحتجاجات التي تفجرت في الأشهر الأخيرة ليست حدثاً معزولاً عن هذا السياق. لذلك، يصبح “الاتفاق السريع” مطلباً داخلياً بقدر ما هو خيار خارجي: تخفيف الضغط الاقتصادي يعني تهدئة اجتماعية نسبية، واستعادة هامش حركة للسلطة في الداخل.
الحضور العسكري الأمريكي… ضغط تفاوضي أم مظلة ردع؟
تعزيز الوجود البحري والجوي الأمريكي في المنطقة يضيف طبقة أخرى من التعقيد. فهو يُقرأ في العواصم الإقليمية كمظلة ردع تُطمئن الحلفاء، بينما تراه طهران جزءاً من سياسة العصا إلى جانب الجزرة التفاوضية. بعد استئناف الحوار في فبراير، لم يتوقف تبادل الإشارات الخشنة، ما يجعل أي خطأ تقدير صغيراً قابلاً للتضخم. هنا تتحول المفاوضات إلى إدارة مخاطر: كيف تُبقي واشنطن الضغط دون دفع الطرف الآخر إلى رد فعل غير محسوب؟ وكيف تُظهر طهران استعداداً للتفاهم دون الظهور بموقع المتراجع؟
عقدة التخصيب… نقطة الاختبار الحقيقية
جوهر الخلاف يبقى نووياً. الموقف الأمريكي المعلن تاريخياً يميل إلى منع تخصيب اليورانيوم داخل إيران، فيما تعتبره طهران مساساً بسيادتها وخطاً أحمر. الإشارة الإيرانية إلى أن واشنطن لم تطالب هذه المرة بحظر كامل قد تكون نافذة ضيقة للحل، لكنها لا تلغي الفجوة التقنية والسياسية: مستويات التخصيب المرتفعة التي وصلت إليها إيران بعد 2018 تقلّص هامش الثقة، وتفرض ترتيبات رقابية صارمة إن أُريد لاتفاق جديد أن يصمد. أي صيغة وسط ستحتاج إلى آليات تحقق قابلة للتنفيذ، وجدول زمني لخفض التخصيب مقابل رفع تدريجي ومدروس للعقوبات.
بين صفقة سريعة وتصعيد محسوب
السيناريو الأقرب على المدى القصير هو تفاهم أولي محدود، يجمّد خطوات حساسة ويمنح الطرفين مكسباً سياسياً سريعاً: واشنطن تُظهر أنها انتزعت تنازلاً نووياً، وطهران تلوّح بأفق تخفيف عقوبات يخفف ضغط الشارع. لكن فشل اللحظة سيعيد تفعيل منطق الضغط، مع تصعيد مدروس لا يصل إلى مواجهة مفتوحة بقدر ما يهدف إلى إعادة الطرفين إلى الطاولة بشروط أقسى. المخاطرة هنا أن يتحول “الضغط المحسوب” إلى دينامية انزلاقية، حيث تتراكم الخطوات الصغيرة حتى تخرج الأزمة عن نطاق السيطرة.
على حافة النافذة الضيقة
المهلة التي لوّح بها ترامب ليست عدّاً تنازلياً تقنياً بقدر ما هي اختبار لإرادة سياسية متبادلة. إذا التقط الطرفان نافذة التفاهم الضيقة، قد يولد مسار نووي مؤقت يخفف حرارة الإقليم ويعيد ترتيب أولويات الاقتصاد الإيراني. أما إذا طغت حسابات الردع على منطق التسوية، فإن المنطقة تدخل جولة شدّ حبال جديدة، تُدار على حافة التصعيد، وتُختبر فيها قدرة الدبلوماسية على البقاء واقفة تحت ضغط الوقت والقوة.






