تتجه بوصلة الثقافة العالمية اليوم الثلاثاء، الثاني عشر من مايو لعام 2026، نحو مدينة كان الفرنسية، حيث تستعد “الريفييرا” لقص شريط افتتاح الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينمائي الدولي، في حدث يتجاوز كونه تظاهرة فنية ليصبح ملتقى استراتيجياً يجمع أقطاب صناعة الترفيه وخبراء التكنولوجيا ورواد الإعلام من شتى بقاع الأرض. وتكتسب هذه الدورة أهمية خاصة بالنظر إلى برنامجها الثري الذي يمتد على مدار أحد عشر يوماً، حيث تشهد منافسة حامية الوطيس بين واحد وعشرين فيلماً طويلاً، تتنوع مشاربها بين رؤى المخرجين الكبار الحائزين سابقاً على السعفة الذهبية وبين الأصوات الجديدة والمستقلة التي تطمح لصياغة مستقبل السينما العالمية، مما يجعل من “الكروازيت” ساحة مفتوحة للاشتباك الفني والجمالي الذي ينتظره الملايين حول العالم.
طقوس الافتتاح وحضور فرنسي بنكهة عالمية
تحت أضواء قصر المهرجانات العريق، تطل الممثلة الفرنسية آي حيدرة لتتولى مهمة تقديم حفلي الافتتاح والختام خلفاً لوران لافيت، لتعلن عن بدء ماراثون سينمائي يستهل فعالياته بالعرض العالمي الأول للفيلم الكوميدي الرومانسي الفرنسي “القبلة الكهربائية” للمخرج بيير سلفادوري. ويمثل اختيار هذا الفيلم تحديداً رسالة احتفاء بالسينما الفرنسية وقدرتها على التجدد، وسط حضور نخبوي يمزج بين نجوم الصف الأول في هوليوود وأفراد من العائلات الملكية الأوروبية، الذين سيتوافدون على السجادة الحمراء لاستعراض أحدث صيحات الأناقة وتكريس مكانة المهرجان كمنصة أولى للترويج للأعمال المرشحة لاحقاً لجوائز الأوسكار، وهو ما يعكس الدور المحوري الذي يلعبه “كان” في ضبط إيقاع الجوائز العالمية الكبرى وتوجيه دفة النقد السينمائي الرصين.

تكريم الرموز.. عبقرية بيتر جاكسون وإرث باربرا سترايساند
لا تقتصر احتفالية هذا العام على عروض المسابقة الرسمية، بل تمتد لتشمل تكريماً استثنائياً لاثنين من أعمدة الإبداع في تاريخ السينما والموسيقى، حيث يمنح المهرجان السعفة الذهبية الفخرية للمخرج النيوزيلندي بيتر جاكسون، تقديراً لمسيرته الرائدة التي أحدثت ثورة في عالم المؤثرات البصرية وسرد الملاحم السينمائية كما في ثلاثية “سيد الخواتم”. ومن المقرر أن يتسلم جاكسون جائزته خلال حفل الافتتاح الليلة، ليكون ذلك بمثابة تحية من المهرجان لسينما الخيال والمغامرة التي أعادت تشكيل ذائقة الجمهور. وفي المقابل، تخصص الدورة لحظة وداع فنية مهيبة في حفل الختام لتكريم الأيقونة باربرا سترايساند، احتفاء بستة عقود من العطاء المتواصل في الغناء والتمثيل والإخراج، مما يضفي طابعاً إنسانياً وتاريخياً على هذه النسخة، ويؤكد على قدرة المهرجان في الحفاظ على الروابط بين جيل الرواد والمبدعين المعاصرين.
المنافسة على السعفة الذهبية وارتباطها بسباق الأوسكار
تظل السعفة الذهبية هي الجائزة الأرفع والمنشودة التي يتطلع إليها صناع السينما، وهي الجائزة التي توج بها في العام الماضي فيلم “كان مجرد حادث” للمخرج الإيراني جعفر بناهي، والذي نجح لاحقاً في انتزاع ترشيحين في حفل توزيع جوائز الأوسكار لعام ألفين وستة وعشرين، مما يعزز من فكرة أن الطريق إلى “تمثال الأوسكار” الذهبي يبدأ دائماً من صخب مدينة كان. وتبرز في دورة هذا العام أسماء مخرجين كبار وضعوا بصمتهم في السنوات الأخيرة مثل شون بيكر وجوستين تريت وروبن أوستلوند، مما ينبئ بمستوى فني رفيع يصعب التنبؤ بنتائجه النهائية. وتماشياً مع التحول الرقمي، أتاح المهرجان للجمهور العالمي فرصة متابعة مراسم الافتتاح والختام وكواليس السجادة الحمراء عبر بث حي ومباشر على الموقع الرسمي وقناته على منصة يوتيوب، لضمان وصول هذه التجربة الفنية الفريدة إلى أبعد نقطة ممكنة، في ظل تواجد مكثف لشركات التكنولوجيا التي باتت ترى في مهرجان كان شريكاً أساسياً في تشكيل ملامح المحتوى البصري المستقبلي.




