تشكّل واقعة انتشار موكب مسلّح لنجل قائد “الكتيبة 55″، معمّر الضاوي، من مدرسته إلى منزله، انعكاساً دالاً على طبيعة الوضع السياسي والأمني في ليبيا، حيث تتداخل سيادة الدولة مع نفوذ الميليشيات المسلحة، وتتجلى هشاشة المؤسسات الرسمية في مواجهة تصاعد الاستحواذ الفردي والجماعي على موارد الدولة واستخدامها لأغراض شخصية. المشهد، الذي بدا أقرب إلى استعراض سلطوي على غرار ما يشهده قادة الدولة في بعض الأنظمة السلطوية، يثير تساؤلات حول حدود ممارسة القوة، والمستوى الذي وصل إليه الانقسام بين مؤسسات الدولة وبين الجماعات المسلحة، ومدى تأثير ذلك على الشرعية السياسية والأمنية في البلاد.
إن استخدام وسائل الدولة، بما في ذلك السيارات العسكرية المصفحة والعتاد القتالي، لتأمين خروج طفل من المدرسة، يكشف عن استغلال واضح للموارد العامة من قبل عناصر مسلحة تعمل خارج إطار القانون، وهو ما يعكس انحرافاً في أولويات النظام الأمني، ويشير إلى غياب آليات محاسبة فعالة. هذا النوع من التصرفات يرسّخ صورة دولة ضعيفة وميليشيات قوية، حيث تتحول بعض المجموعات المسلحة إلى قوى موازية للدولة، بل وأحياناً تتفوق على الدولة في النفوذ على الأرض. وقد أدى هذا الانحياز الواضح للقوى المسلحة على حساب حماية المواطنين وضمان الأمن العام إلى تفاقم شعور الليبيين بعدم المساواة في المعاملة، واستمرار حالة التوتر وعدم الاستقرار.
رسالة ضمنية بالقوة والنفوذ
في الوقت نفسه، يشير المشهد إلى مدى التداخل بين النفوذ العسكري والاقتصادي والسياسي للميليشيات. فالكتيبة 55، التي يقودها معمّر الضاوي، ليست مجرد قوة مسلحة عادية، بل هي جزء من شبكة مصالح واسعة تمتد إلى الاقتصاد المحلي والسيطرة على المرافق الحيوية والخدمات الأساسية. وظهور موكب مسلح لنجل القائد بهذه الطريقة ليس مجرد حادث عابر، بل هو رسالة ضمنية توضح القوة والنفوذ الذي يتمتع به أفراد هذه الكتيبة، وتضع معياراً للمكانة الاجتماعية والسياسية لأعضاء الجماعة المسلحة داخل العاصمة وما حولها. بهذا المعنى، يعكس الموكب مظهراً من مظاهر الاستعراض السياسي الذي يستخدمه بعض قادة الميليشيات لإظهار سيطرتهم وهيمنتهم، ليس على مستوى الأفراد فحسب، بل على النظام الاجتماعي والسياسي ككل.
كما يبرز الحدث هشاشة السيادة الوطنية وقدرة الدولة على فرض القانون. فالمدرسة التي من المفترض أن تكون فضاءً محايداً للتعلم والحماية، تحولت إلى مسرح لاستعراض القوة، ما يشير إلى غياب فعالية أجهزة الدولة في تنظيم استخدام الموارد العسكرية، وحماية المدنيين، وضمان أن تكون المدارس أماكن آمنة بعيداً عن أي تأثير سياسي أو عسكري. ويطرح ذلك سؤالاً جوهرياً حول ما إذا كانت المؤسسات الأمنية في ليبيا تتبع الدولة أو تلك الميليشيات، وما إذا كانت هناك قدرة على ضبط حدود نفوذ القوات المسلحة غير النظامية، وفرض معايير واضحة للاستخدام المشروع للقوة.
هيمنة الطبقات والعائلات المسلحة
من زاوية أخرى، يمكن قراءة الموقف باعتباره انعكاساً لظاهرة هيمنة الطبقات أو العائلات المسلحة على أجزاء واسعة من الفضاء العام، وهو ما يخلق نوعاً من النظام الموازٍ للمؤسسات الرسمية. فحين يُسمح لقائد ميليشيا باستخدام القوة العسكرية لأغراض شخصية، يصبح المشهد السياسي في ليبيا مشوشاً، حيث يختلط النفوذ العسكري بالنفوذ الاجتماعي والسياسي، ويصبح الحكم والسيطرة على الأرض مرتبطين بالقوة المسلحة وليس بالشرعية القانونية. هذا يؤدي إلى تعزيز الإحساس بعدم المساواة، ويخلق بيئة خصبة للفساد والاستغلال الشخصي للموارد العامة، ويضعف ثقة المواطنين في الدولة ومؤسساتها.
كما تعكس ردود الفعل الشعبية على الفيديو مدى وعي المجتمع المدني بالمسألة، ورفضه لاستغلال القوة لأغراض غير مبررة. الانتقادات الحادة التي صدرت عن ناشطين في وسائل التواصل الاجتماعي، والذين اعتبروا المشهد استعراضاً للبذخ والتمييز، تعكس غضباً جماهيرياً متزايداً تجاه تفشي استغلال السلطة والنفوذ العسكري على حساب المواطنين العاديين. ويظهر ذلك كجزء من نقاش أوسع في ليبيا حول الإصلاحات الأمنية والسياسية، وضرورة تعزيز الرقابة والمساءلة على استخدام القوة، بما يضمن أن تكون المؤسسات الأمنية في خدمة المجتمع وليس أداة للضغط السياسي أو التمييز الاجتماعي.
تراجع مصداقية الدولة
من ناحية سياسية، فإن المشهد يعكس هشاشة بنية الدولة في مرحلة ما بعد النزاع، وغياب القدرة على فرض معايير واضحة لسلطة القانون. فالظهور العلني للموكب المسلح، الذي لم يُقيد أو يردعه أي جهاز رسمي، يشير إلى فقدان الدولة السيطرة على معظم المناطق الحضرية، وخاصة العاصمة طرابلس، حيث تنتشر الميليشيات المسلحة وتتحكم في الموارد والخدمات. ويشير أيضاً إلى تراجع مصداقية الدولة أمام مواطنيها والمجتمع الدولي، إذ يصبح من الواضح أن مؤسسات الدولة عاجزة عن حصر القوة وفرض النظام، بينما تتمكن الميليشيات من توجيه هذه القوة لخدمة مصالح شخصية أو عائلية.
ويُضاف إلى ذلك بعد نفسي واجتماعي، إذ أن الأطفال في هذه البيئة يعيشون تجربة مفاجئة لصراع القوة والتفوق العسكري، مما قد يؤثر على إدراكهم للمجتمع ومفاهيم العدالة والمساواة. فالمدارس، التي يجب أن تكون فضاءً للتنشئة والتعليم بعيداً عن السياسة والنفوذ، تتحول في مثل هذه الحالات إلى مسرح للعنف الرمزي، حيث يُظهر نفوذ أفراد العائلات المسلحة بشكل مبالغ فيه، ويصبح البذخ العسكري أداة للهيمنة الاجتماعية.
تفاقم نفوذ الميليشيات على الحياة اليومية
الواقعة الصغيرة نسبياً، لكنها رمزية، تحمل دلالات سياسية وأمنية واجتماعية كبيرة. فهي تظهر أن ليبيا لا تزال تعاني من ضعف المؤسسات الرسمية، واستحواذ بعض القوى المسلحة على موارد الدولة، وتفاقم نفوذ الميليشيات على الحياة اليومية للمواطنين. كما أنها تعكس استمرار أزمة العدالة الاجتماعية والسياسية، وضعف القدرة على فرض القوانين، والتحديات التي تواجه بناء دولة مركزية قوية وقادرة على حماية مواطنيها. وفي ظل استمرار هذه الأوضاع، يبقى الطريق نحو الاستقرار السياسي والأمني في ليبيا معقداً، إذ يتطلب إعادة تنظيم الجيش والأمن، ووضع قيود واضحة على استخدام القوة، وتكريس سلطة القانون، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع المدني.
وبذلك، يشكل مشهد موكب نجل معمّر الضاوي أكثر من مجرد حادثة فردية، فهو مرآة تعكس تراكم الأزمات السياسية والاجتماعية في ليبيا، ويطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الدولة ومكانة الميليشيات في المشهد الليبي، ويؤكد أن الطريق نحو دولة مستقرة وقادرة على حماية مواطنيها لا يزال طويلاً ومليئاً بالتحديات.






