أثارت سفينة الغاز الطبيعي المسال الروسية “أركتيك ميتاجاز” مخاوف دولية متزايدة بعد تعرضها لهجوم مطلع مارس/آذار، قبل أن تنجرف في مياه البحر الأبيض المتوسط، وهي محمّلة بكميات كبيرة من الوقود والغاز. وأكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن السفينة كانت لا تزال تحتوي، لحظة التخلي عنها، على نحو 450 طنًا من زيت الوقود الثقيل و250 طنًا من الديزل، إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال.
ووفق الرواية الروسية، فإن الهجوم استهدف السفينة خلال رحلتها من مورمانسك شمال روسيا إلى ميناء بورسعيد في مصر، في مسار يعكس أهمية خطوط الطاقة البحرية في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة.
اتهامات متصاعدة: موسكو تشير إلى أوكرانيا
في تطور لافت، اتهمت موسكو أوكرانيا بتنفيذ الهجوم باستخدام طائرات بحرية مسيّرة انطلقت من الساحل الليبي، في خطوة تعكس اتساع نطاق المواجهة غير المباشرة بين الطرفين إلى مسارح بحرية بعيدة عن خطوط القتال التقليدية.
ورغم عدم صدور تعليق رسمي من كييف، فإن استهداف البنية التحتية المرتبطة بالطاقة والنقل يُعد جزءًا من نمط عملياتي يهدف، بحسب تقديرات روسية، إلى تقليص الموارد المالية التي تغذي العمليات العسكرية في أوكرانيا.
وفي المقابل، أكدت السلطات الروسية إنقاذ جميع أفراد طاقم السفينة البالغ عددهم 30 شخصًا، قبل أن تُترك السفينة لمصير مجهول وسط البحر.
أضرار جسيمة وسفينة على حافة الانفجار
تشير المعطيات إلى أن الناقلة تعرضت لأضرار بالغة، حيث سُجلت انفجارات داخلها وتسرب للغاز واندلاع حرائق متفرقة، ما أدى إلى اختلال توازنها بشكل خطير. وكانت هيئة الموانئ الليبية قد أفادت في وقت سابق بأن السفينة تعرضت لانفجارات أعقبها حريق عنيف شمال ميناء سرت.
ورغم هذه الأضرار، لم تغرق السفينة كما كان متوقعًا، بل أظهرت صور حديثة التقطت جوًا أنها لا تزال طافية، وقد تضرر هيكلها بشدة مع ظهور فتحات واضحة في جانبيها. وتوجد السفينة حاليًا في منطقة بحرية حساسة بين صقلية وتونس، على مقربة من جزيرة لينوسا، وعلى بعد نحو 50 ميلاً بحريًا من مالطا.
“قنبلة بيئية”: تحذيرات أوروبية متصاعدة
في ظل هذا الوضع، تتصاعد المخاوف الأوروبية من تحول السفينة إلى كارثة بيئية وشيكة. ووصف ألفريدو مانتوفانو، وزير الدولة في رئاسة الوزراء الإيطالية، الناقلة بأنها “قنبلة بيئية”، محذرًا من استحالة الاقتراب منها وخطر انفجارها في أي لحظة.
كما دقت عدة دول أوروبية، بينها فرنسا وإيطاليا، ناقوس الخطر في رسالة موجهة إلى المفوضية الأوروبية، معتبرة أن الوضع غير المستقر للسفينة وطبيعة حمولتها يشكلان تهديدًا مباشرًا بوقوع كارثة بيئية كبرى في قلب المتوسط.
نظام بيئي هش تحت التهديد
من جهتها، حذرت منظمة الصندوق العالمي للطبيعة من تداعيات خطيرة في حال تسرب الغاز الطبيعي المسال أو الوقود، مشيرة إلى احتمال تشكل “سحب مبردة قاتلة” قد تؤثر على الحياة البحرية، إضافة إلى تلوث طويل الأمد للمياه والغلاف الجوي.
ويزداد القلق بالنظر إلى أن المنطقة التي توجد فيها السفينة تُعد من أكثر الأنظمة البيئية تنوعًا في البحر الأبيض المتوسط، ما يجعل أي تسرب محتمل ذا تأثيرات عميقة وربما غير قابلة للعكس.
سابقة مقلقة: تسربات سابقة من “أسطول الظل”
تأتي هذه الحادثة في سياق أوسع يتعلق بما يُعرف بـ”أسطول الظل” الروسي، وهو شبكة من الناقلات القديمة التي تُستخدم للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على قطاع الطاقة.
وكانت حادثة سابقة في ديسمبر/كانون الأول 2024 قد شهدت غرق ناقلتين في مضيق كيرتش، ما أدى إلى تسرب أكثر من 3700 طن من زيت الوقود، في واقعة عززت المخاوف من المخاطر البيئية المرتبطة بهذه السفن.
بين التصعيد الجيوسياسي وخطر الكارثة البيئية
تعكس قضية “أركتيك ميتاجاز” تقاطعًا خطيرًا بين الصراع الجيوسياسي ومخاطر البيئة، حيث تتحول أدوات الحرب غير التقليدية إلى تهديد مباشر للنظم البيئية الهشة. وبينما تتبادل الأطراف الاتهامات، تبقى الحقيقة الأبرز أن البحر الأبيض المتوسط يواجه خطرًا حقيقيًا، قد لا تتوقف تداعياته عند حدود الدول المعنية، بل يمتد أثره إلى كامل المنطقة.






