تعيش جماعة الحوثي حالة من الارتباك والذعر بعد الضربة الإسرائيلية الأخيرة التي أودت برئيس حكومتها الانقلابية أحمد الرهوي وتسعة من وزرائه.
وتزامن ذلك مع تقارير عن فرار جماعي لكبار القيادات السياسية والعسكرية من العاصمة المختطفة صنعاء، باتجاه مخابئ محصنة في صعدة وعمران ومناطق جبلية أخرى تخضع لسيطرتها.
مصادر مطلعة في صنعاء أكدت أن شخصيات بارزة في الصف الأول مثل محمد علي الحوثي، وعبد الكريم الحوثي، وأبو علي الحاكم، وأحمد حامد، اختفت عن الأنظار منذ أيام، فيما شوهدت حافلات معتمة تقل عائلات قيادات الجماعة شمالاً.
إسرائيل تغيّر قواعد اللعبة
يرى مراقبون أن الضربة التي أودت بنصف حكومة الحوثيين تمثل تحولاً نوعياً في المواجهة، حيث انتقلت تل أبيب من استهداف مواقع ومنشآت حيوية إلى ضرب الصف الأول من القيادة السياسية.
هذا التطور يعكس، وفق المراقبين، اختراقاً استخبارياً عميقاً داخل هياكل الجماعة، ويضع قادتها أمام معادلة صعبة: البقاء في العاصمة تحت الخطر، أو الانسحاب إلى مناطق نائية قد تفقدهم السيطرة المركزية.
غياب لافت عن مراسم التشييع
مراسم تشييع رئيس الحكومة الانقلابية ووزرائه التسعة تحولت إلى مشهد عكس حجم الأزمة، فقد غاب كبار القادة عن الحضور، واكتفى الصف الثاني بالمشاركة، بينما تصدّر المشهد محمد مفتاح القائم بأعمال رئيس الحكومة.
وأثار هذا الغياب غضب عائلات الضحايا واستياء الموالين، الذين اعتبروا أن القادة تخلّوا عن واجبهم في أصعب الظروف، ما كشف عن انعدام الثقة حتى في تأمين فعالية رسمية في قلب العاصمة.
زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي حاول احتواء الموقف بخطاب متلفز، كرر فيه تهديداته لإسرائيل متوعداً بمزيد من الهجمات الصاروخية والبحرية، لكنه في الوقت نفسه لوّح بمزيد من القبضة الأمنية داخل اليمن، محذراً من أي تحركات معارضة، ومؤكداً أن أجهزته الأمنية ستواصل “المهام الجهادية” عبر حملات اعتقال واسعة طالت موظفين حكوميين وأمميين بتهم “التجسس”.
فرار المشرفين الأمنيين
شهود عيان في صنعاء أكدوا أن الأيام الأخيرة شهدت مغادرة قوافل صغيرة من السيارات والحافلات التي تحمل عائلات ومشرفين أمنيين حوثيين من أحياء شمال العاصمة ووسطها.
ويُنظر إلى هذه التحركات على أنها إشارة واضحة إلى حالة خوف غير معهودة في صفوف من كان يُطلق عليهم “أمراء الأحياء”، الذين كانوا يديرون القبضة الأمنية للجماعة.
الانقسامات الداخلية والارتباك الأمني يفتحان الباب أمام تساؤلات عن قدرة الجماعة على الصمود. فبينما تحاول قيادة الحوثيين إظهار التماسك، تشير الوقائع الميدانية إلى تآكل الثقة داخل صفوفها، خصوصاً أن الضربة الإسرائيلية لم تكن مجرد خسارة بشرية، بل ضربة سياسية ومعنوية قاسية.
محللون يمنيون يرون أن ما يحدث اليوم يمثل بداية مرحلة جديدة في الصراع مع الحوثيين، حيث لم يعد استهدافهم محصوراً بالمنشآت أو القدرات العسكرية، بل طال قادتهم المباشرين، ويعتقدون أن استمرار هذا النهج سيضع الجماعة أمام تهديد وجودي حقيقي، خاصة إذا استمر نزيف القيادات وانعدام الأمن في صنعاء.
المشهد الحوثي المأزوم لن يقتصر تأثيره على الداخل اليمني فحسب، بل قد ينعكس على المشهد الإقليمي برمّته. فالسعودية التي تخوض مواجهة طويلة مع الجماعة عبر الحدود الجنوبية، قد تجد أن الانهاك الداخلي للحوثيين يمنحها مساحة أوسع لإعادة ترتيب أولوياتها الأمنية.
أما البحر الأحمر، فيبقى ساحة حساسة، حيث يخشى المراقبون من أن يلجأ الحوثيون إلى مزيد من التصعيد في الممرات البحرية لتعويض خسائرهم السياسية.
في المقابل، ترى بعض التحليلات أن إيران – الداعم الأبرز للجماعة – قد تضطر إلى إعادة النظر في استراتيجيتها باليمن، خصوصاً إذا ما تزايدت الضربات النوعية الإسرائيلية وأثبتت هشاشة البنية القيادية للحوثيين.






