أعادت المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي جاءت في سياق التصعيد الإسرائيلي ضد طهران، فتح باب التساؤلات حول مستقبل الأمن في منطقة الخليج، بعدما وجدت دول المنطقة نفسها في قلب أزمة لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، لكنها دفعت جزءًا كبيرًا من تكلفتها الأمنية والسياسية.
ويرى متخصصون في شؤون الخليج أن التطورات الأخيرة كشفت هشاشة معادلة أمنية استمرت لعقود، اعتمدت فيها دول الخليج على الحماية الأميركية باعتبارها الضامن الرئيسي لاستقرار المنطقة.
الخليج بين نار الصراع وحسابات القوى الكبرى
يشير الباحث المتخصص في شؤون شبه الجزيرة العربية، أندرياس كريج، إلى أن دول الخليج اضطرت خلال الأزمة إلى توحيد مواقفها الدبلوماسية والعمل على احتواء التصعيد، عبر إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع طهران، لتجنب انزلاق المنطقة نحو حرب إقليمية واسعة.
وبحسب كريج، فإن العواصم الخليجية كانت تدرك أن أي مواجهة مباشرة بين واشنطن وطهران ستنعكس أولًا على أمنها الداخلي، بحكم انتشار القواعد العسكرية الأميركية على أراضيها وقربها الجغرافي من إيران.
القواعد الأميركية… حماية أم أهداف عسكرية؟
لطالما اعتُبرت القواعد الأميركية المنتشرة في الخليج عنصر ردع ضد أي تهديد خارجي، إلا أن الأزمة الأخيرة أظهرت وجهًا مختلفًا لهذه المعادلة.
فمع صعوبة استهداف الأراضي الأميركية أو الإسرائيلية بصورة مباشرة، أصبحت المنشآت والقواعد العسكرية الموجودة في الخليج أهدافًا أكثر سهولة في أي رد إيراني محتمل، وهو ما أثار مخاوف متزايدة داخل دول المنطقة من تحولها إلى ساحة مواجهة بالوكالة.
ويرى محللون أن هذه المعطيات دفعت العديد من العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم مفهوم الأمن الجماعي، والبحث عن توازن جديد يجمع بين الشراكة مع واشنطن والحفاظ على قنوات تواصل فعالة مع طهران.
انتقادات لإدارة ترامب
ويعتبر كريج أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب نجحت في رفع مستوى التصعيد العسكري، لكنها لم تنجح في بناء مسار سياسي قادر على إنهاء الأزمة.
ويضيف أن تذبذب المواقف الأميركية، والتأرجح بين ضغوط الحلفاء الإقليميين، حال دون الوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد مع إيران، الأمر الذي أبقى المنطقة في حالة توتر دائم، وزاد من حجم المخاطر التي تواجهها دول الخليج.
الرياض والدوحة وأبوظبي أمام فاتورة أمنية متزايدة
ورغم استمرار التحالف الإستراتيجي بين الولايات المتحدة ودول الخليج، فإن التطورات الأخيرة أظهرت أن الرياض والدوحة وأبوظبي تحملت جانبًا كبيرًا من الأعباء الأمنية والسياسية للأزمة.
فإلى جانب استضافة قواعد عسكرية أميركية، تمثل هذه الدول شريكًا اقتصاديًا وإستراتيجيًا رئيسيًا لواشنطن، ما يجعلها في مقدمة الدول المتأثرة بأي تصعيد إقليمي، سواء على مستوى أمن الطاقة أو حركة التجارة أو الاستثمارات.
مرحلة جديدة في معادلة الأمن الإقليمي
تشير التطورات الأخيرة إلى أن دول الخليج قد تتجه خلال المرحلة المقبلة إلى تنويع خياراتها الأمنية والدبلوماسية، وعدم الاكتفاء بالمظلة الأميركية وحدها، عبر تعزيز الحوار الإقليمي وتوسيع شراكاتها الدولية.
وفي ظل استمرار التوتر بين واشنطن وطهران، تبدو المنطقة أمام مرحلة جديدة تعيد صياغة مفهوم الأمن الخليجي، حيث لم تعد التحديات تقتصر على مواجهة الخصوم، بل أصبحت تشمل أيضًا إدارة تداعيات تحركات الحلفاء.






