أثار غياب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أحد أقدم الوجوه في الإدارة الروسية، موجة من التساؤلات داخل موسكو وخارجها حول حقيقة موقعه في منظومة الحكم، بعد أن تبيّن أنه لم يحضر اجتماعاً مهماً لمجلس الأمن القومي الروسي، كما لم يترأس وفد بلاده إلى قمة العشرين في جنوب إفريقيا، وهو أمر غير معتاد من الدبلوماسي المخضرم الذي ارتبط اسمه لعقود بصورة روسيا في الخارج.
غياب يثير الدهشة داخل موسكو
فلافروف الذي قاد السياسة الخارجية الروسية منذ عام 2004، يعدّ أحد أعمدة النظام البوتيني، وغيابه عن فعاليات بهذا الحجم اعتبره البعض مؤشراً على تغيرات غير معلنة في بنية صنع القرار داخل الكرملين.
تزامن هذا الغياب مع تكثيف الكرملين لتحركات عسكرية ودبلوماسية موازية، ما جعل مراقبين يربطون بين الحدثين، ويرون أن بوتين ربما يعيد ترتيب أولويات سياسته الخارجية على ضوء المتغيرات التي فرضتها الحرب في أوكرانيا، والعزلة المتزايدة التي تواجهها موسكو على الساحة الدولية.
فبينما سعى المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، إلى طمأنة الصحافة بأن لافروف «يواصل مهامه كالمعتاد»، إلا أن الامتناع عن تقديم تفسير واضح للغياب فُسّر على أنه دليل ارتباك داخل دوائر القرار.
أما الصحافة الغربية فقد تلقفت الحدث باعتباره إشارة إلى تراجع دور الخارجية الروسية أمام نفوذ الأجهزة الأمنية والعسكرية التي باتت تمسك بملفات حساسة تتعلق بالأمن القومي، والعلاقات مع الغرب.
وذهبت بعض التحليلات إلى حد القول إن روسيا ربما تدخل مرحلة جديدة عنوانها «ما بعد لافروف»، حيث يتراجع دور الدبلوماسية لصالح خطاب أكثر صدامية تمليه ضرورات الحرب والعزلة.
لافروف.. ركيزة النظام الدبلوماسي منذ عقدين
طوال أكثر من عشرين عاماً، شكّل لافروف الواجهة الدبلوماسية الأقوى للنظام الروسي، فقد كان المهندس الأساسي لخطاب موسكو تجاه الغرب، والدفاع الشرس عن مواقفها في المحافل الدولية، من جورجيا إلى أوكرانيا وسوريا.
وقد عرف عنه صبره الدبلوماسي وقدرته على المناورة، ما جعل منه أحد الرموز القليلة التي احتفظت بثقة بوتين رغم التغيرات الكثيرة في المشهد الداخلي الروسي.
منذ أن تولى حقيبة الخارجية في 2004، نجح لافروف في فرض أسلوبه الحاد والمباشر في التفاوض، فكان يمثل الوجه «العقلاني» لسياسات بوتين العسكرية.
لكن مراقبين لاحظوا منذ الحرب الأوكرانية أن خطابه بات أكثر دفاعية، فيما أصبح صوته أقل تأثيراً في تحديد مسار العلاقات مع الغرب، خاصة بعد دخول وزارة الدفاع وجهاز الاستخبارات في قلب الملفات السياسية الكبرى.
يعتقد كثير من المتابعين أن لافروف أصبح «رمزاً أكثر منه فاعلاً» في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد أن فُرضت عليه عقوبات غربية، وأُغلق أمامه المجال الدبلوماسي في أوروبا.
وبالتالي فإن غيابه قد يكون انعكاساً طبيعياً لتراجع مساحة المناورة الدبلوماسية الروسية، وليس بالضرورة مؤشراً على خلاف مباشر مع بوتين.
ومع ذلك، فإن الغموض الذي أحاط بغيابه الأخير، مع عدم ظهوره حتى في فعاليات داخلية، جعل من الصعب استبعاد فرضية التهميش أو إعادة توزيع الأدوار داخل الكرملين، بما يتناسب مع مرحلة ما بعد الحرب الباردة الجديدة التي تشهدها روسيا حالياً.
الكرملين يطمئن.. لكن الأسئلة تتزايد
في رده على التكهنات، حاول الكرملين التخفيف من وطأة الشائعات، فأكد بيسكوف أن «لافروف يؤدي مهامه كالمعتاد»، لكنه تجنب الرد على سؤال مباشر حول سبب غيابه عن الاجتماعين.
هذا الصمت الرسمي أثار تساؤلات إضافية بدلاً من أن يبددها، إذ اعتبر بعض المحللين أن تجاهل الإجابة قد يكون دليلاً على وجود حالة من إعادة الهيكلة في فريق السياسة الخارجية.
يُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يغيب فيها لافروف عن فعالية رفيعة المستوى دون إعلان مسبق، لكن تكرار الأمر خلال فترة قصيرة أعاد النقاش حول ما إذا كانت الخارجية فقدت نفوذها لصالح المؤسسات الأمنية.
ويرى آخرون أن بوتين ربما يسعى إلى الحفاظ على صورة متماسكة للنظام، دون الكشف عن أي تغيير داخلي قبل أن يحين موعده.
من جهة أخرى، أشار مراقبون إلى أن غياب لافروف عن قمة العشرين، رغم أهميتها، قد يكون رسالة ضمنية إلى الغرب بأن موسكو لم تعد تولي اهتماماً بالمنتديات الدولية التقليدية التي تراها «منابر غير محايدة».
لكن حتى مع هذا التبرير، فإن التساؤلات عن مصير الدبلوماسية الروسية لا تزال مفتوحة، خاصة في ظل ميل موسكو المتزايد إلى الحلول العسكرية بدلاً من المفاوضات.
وفي ظل كل هذه التكهنات، يبقى لافروف بالنسبة للشارع الروسي شخصية ثقيلة الظل، وصاحب كاريزما يصعب تكرارها، ما يجعل أي حديث عن مرحلة «ما بعد لافروف» أكثر حساسية داخل النظام.
الدبلوماسية الروسية أمام مفترق طرق
يواجه جهاز السياسة الخارجية الروسي اختباراً صعباً في مرحلة تتزايد فيها التحديات: من الحرب الأوكرانية، إلى العقوبات، إلى تراجع النفوذ الروسي في إفريقيا وآسيا الوسطى.
ولطالما كان لافروف هو «المُترجم الرسمي» لرؤية بوتين أمام العالم، لكن في حال تراجع دوره فعلاً، فإن السؤال الأهم هو: من سيملأ هذا الفراغ؟
تشير تحليلات إلى أن موسكو ربما تتجه لتبني مقاربة أكثر مركزية، بحيث تتركز الملفات الحساسة في يد مجلس الأمن القومي الذي يهيمن عليه بوتين شخصياً وعدد محدود من المقربين، وهذا يعني تقليص هامش المناورة لدى الخارجية، وتحويلها إلى جهاز تنفيذي للسياسات، لا صانعاً لها.
ويؤكد بعض الباحثين أن ما يجري حالياً هو عملية «إعادة هندسة للنظام الدبلوماسي الروسي»، بحيث يصبح أكثر انسجاماً مع حالة الحرب الطويلة التي دخلتها موسكو.
وفي مثل هذا السياق، لا مكان للدبلوماسيين التقليديين من طراز لافروف الذين يؤمنون بالتفاوض، بقدر ما هناك حاجة إلى وجوه تعبّر عن صرامة المرحلة الجديدة.
أما الأثر الدولي لذلك، فقد يكون عميقاً، إذ ستبدو روسيا أكثر عزلة وصدامية، وستتراجع قدرتها على الحوار حتى مع حلفائها التقليديين في الشرق والجنوب العالمي.
تحولات القوة داخل الكرملين
يقول د. فيكتور كورنيينكوؤ باحث في الشؤون الروسية، إن الحديث عن «تراجع» لافروف لا يجب أن يُقرأ بمعزل عن التحول الهيكلي داخل منظومة الحكم في الكرملين.
فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تغيّر ميزان القوى الداخلي لصالح الأجهزة الأمنية والعسكرية، التي باتت صاحبة الكلمة العليا في الملفات الدولية، وهو ما جعل الخارجية الروسية تبدو أقل حضوراً في المشهد العام.
ويضيف كورنيينكو أن بوتين، بطبيعته، لا يُقدم على تغييرات درامية علنية، بل يفضل إعادة ترتيب الأدوار بصمت، لذلك فإن غياب لافروف لا يعني بالضرورة إقصاءه، بل ربما إدخاله في «مرحلة انتقالية» داخل منظومة أكثر انغلاقاً.
ويشير إلى أن الكرملين يحاول الحفاظ على الرموز القديمة لإظهار الاستمرارية، حتى لو كانت أدوارها الفعلية محدودة.
ويؤكد الخبير الروسي أن استمرار لافروف في المنصب رغم كل التغييرات يعكس حاجة بوتين إلى وجه دبلوماسي معروف، يحافظ على قنوات الاتصال القليلة المتبقية مع الغرب والعالم العربي وآسيا.
لكن في الوقت نفسه، فإن جوهر القرار السياسي لم يعد يُصاغ في وزارة الخارجية كما كان من قبل، بل في الدوائر الأمنية المغلقة.
ويختم كورنيينكو حديثه بالقول إن «مرحلة ما بعد لافروف ليست بالضرورة نهاية الرجل، بل نهاية نموذج الدبلوماسية الروسية التي عرفها العالم خلال العقدين الماضيين».
انعكاسات الغياب على صورة موسكو
يرى ريتشارد برادفورد، أستاذ العلاقات الدولية في لندن، أن غياب لافروف عن المشهد يمثل رمزاً لتحول أعمق في سلوك روسيا الدولي، حيث باتت موسكو تعتمد على لغة القوة بدلاً من الدبلوماسية.
ويقول إن لافروف، رغم مواقفه الحادة، كان يجيد استخدام القنوات الدبلوماسية لتخفيف الضغط الدولي، أما الآن، فقد أصبح هذا الدور شبه غائب.
ويعتبر برادفورد أن الكرملين فقد أحد أهم أدواته الناعمة، لأن وجود شخصية مثل لافروف كان يمنح السياسة الروسية قدراً من المصداقية حتى لدى خصومها.
ففي غيابه، تبدو موسكو أكثر انعزالاً وأقل قدرة على التفاوض، ما يزيد من احتمالات التصعيد في ملفات عدة، أبرزها أوكرانيا والشرق الأوسط.
ويضيف أن غياب الشرح الرسمي من الكرملين يعكس أزمة ثقة داخل النظام، حيث يخشى المسؤولون الاعتراف بأي خلافات أو تغييرات قد تُفسَّر ضعفاً أمام الغرب.
ويرى أن «ما بعد لافروف» ليس مجرد مسألة شخصية، بل هو عنوان لمرحلة تتراجع فيها اللغة الدبلوماسية أمام ضجيج المدافع.
ويختم برادفورد تحليله بالقول إن «روسيا من دون لافروف» تبدو أقل توازناً على المسرح الدولي، وربما أكثر ميلاً للعزلة والتشدد، وهو ما سيجعل التفاهم معها أكثر صعوبة في المرحلة المقبلة.






