لم يكن سقوط بغداد عام 2003 مجرد نهاية نظام، بل لحظة كاشفة لطبيعة العلاقات الدولية. العراق، الذي راهن على موسكو كقوة موازنة لواشنطن، قدّم إغراءات كبيرة شملت امتيازات نفطية أملاً في ضمان موقف صلب. غير أن التطورات كشفت أن هذا الرهان كان مبالغاً فيه، إذ اتجهت روسيا إلى التراجع التدريجي عن دعمها مع اقتراب الحسم .
في العلن، عارضت موسكو غزو العراق 2003، لكنها عملياً تجنبت أي مواجهة مباشرة، واختارت التكيّف مع واقع بدا محسوم النتائج. هذا السلوك لم يكن تخلياً مفاجئاً بقدر ما كان انتقالاً محسوباً من موقع الحليف إلى موقع المراقب الذي يسعى لحجز مكان في مرحلة ما بعد الحرب.
براغماتية باردة: لا أصدقاء دائمون في قاموس الكرملين
هذا التحول يختصر جوهر السياسة الروسية. فموسكو لا تنظر إلى التحالفات بوصفها التزامات ثابتة، بل كعلاقات مرنة تخضع لحسابات دقيقة. خلال أزمة العراق، أدركت أن كلفة المواجهة مع واشنطن تفوق أي مكسب محتمل، وأن الحفاظ على موقع تفاوضي لاحق أكثر أهمية من الدفاع عن حليف يواجه مصيراً شبه محسوم.
البراغماتية هنا لا تعني التخلي بقدر ما تعني إعادة التموضع. روسيا تعارض حين يفيدها الاعتراض، وتساير حين تفرض الوقائع نفسها، وتبقي خطوطها مفتوحة مع جميع الأطراف. بهذا المنطق، يصبح الحليف شريكاً ظرفياً، وتصبح المصالح هي الثابت الوحيد.
ما بعد بغداد: خسارة آنية ومكاسب مؤجلة
رغم فقدانها موقعها في العراق لحظة الغزو، تمكنت موسكو من تحويل المشهد لاحقاً لصالحها. فقد استفادت من استنزاف الولايات المتحدة في حرب طويلة، ووسّعت حضورها في الشرق الأوسط، وعززت علاقاتها مع إيران، خاصة في مجالات استراتيجية مثل التعاون النووي .
بهذا المعنى، لم تكن خسارة العراق نهاية نفوذ، بل إعادة توزيع له على جبهات أكثر فائدة.
إيران في الحسابات الروسية
العلاقة الحالية بين موسكو وطهران تبدو متينة، لكنها ليست مطلقة. فروسيا تدعم إيران في ملفات عدة، لكنها في الوقت ذاته تحافظ على توازنات دقيقة مع خصومها، وتتجنب الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع الغرب بسببها. هذا التوازن يعكس استمرار القاعدة ذاتها: دعم محسوب دون التزام مفتوح.
إذا كانت العلاقة بين موسكو وطهران تُقدَّم سياسياً كتحالف في مواجهة الغرب، فإن ما يجري تحت السطح يكشف مستوى أكثر تعقيداً وأقرب إلى التنسيق الاستخباراتي–العسكري المتقدم. منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تحولت إيران إلى مزوّد رئيسي لروسيا بتكنولوجيا الطائرات المسيّرة، قبل أن تنقلب المعادلة تدريجياً إلى شراكة تبادل خبرات، حيث بدأت موسكو تزويد طهران بدروس ميدانية مستخلصة من الحرب، إلى جانب معلومات استخبارية حساسة تتعلق بانتشار القوات الغربية في المنطقة .
في العمق، لا يقتصر التعاون على نقل السلاح، بل يمتد إلى إعادة هندسة القدرات العسكرية الإيرانية. فروسيا تعمل على تحسين أداء الطائرات بدون طيار الإيرانية، وتنظيم إنتاج نماذج هجومية مثل النسخ الروسية من “شاهد”، والتي يتم تصنيع بعضها داخل منشآت مثل يلابوغا، قبل إعادة تصديرها أو تمريرها عبر شبكات لوجستية معقدة . هذه الشبكات تعتمد بشكل كبير على بحر قزوين كممر مغلق بعيد عن الرقابة الدولية، ما يجعله شرياناً حيوياً لنقل النفط الخاضع للعقوبات والتكنولوجيا العسكرية والمواد ذات الاستخدام المزدوج.
الأخطر أن آثار هذا التعاون بدأت تظهر ميدانياً. تقارير عن سقوط طائرات مسيّرة تحمل مكونات روسية أو كتابات سيريلية، ووصول بعضها إلى مناطق حساسة في الخليج، تعكس انتقال هذه الشراكة من مرحلة الدعم إلى مرحلة التأثير المباشر في توازنات الأمن الإقليمي . كما أن استخدام أنظمة ملاحة روسية في هجمات نفذتها أطراف مرتبطة بإيران يعزز فرضية أن موسكو، وإن أنكرت الدعم المباشر، تلعب دوراً غير مباشر في تطوير القدرات الهجومية لمحور طهران.
هذا التصعيد لم يمر دون رد. فقد بدأت إسرائيل باستهداف بعض هذه المسارات، بما في ذلك ضربات على موانئ مرتبطة بشبكات التهريب عبر بحر قزوين، في محاولة لقطع خطوط الإمداد بين موسكو وطهران . وهو ما يعكس إدراكاً متزايداً بأن هذه الشراكة لم تعد مجرد تنسيق سياسي، بل أصبحت بنية عسكرية–لوجستية عابرة للحدود.
ورغم هذا العمق، تبقى العلاقة محكومة بسقف واضح. فروسيا ليست ملزمة بالدفاع عن إيران عسكرياً، وقد أظهرت في محطات سابقة استعدادها للوقوف على مسافة محسوبة عند التصعيد المباشر. بالنسبة لموسكو، تمثل طهران أداة استراتيجية: مصدر تكنولوجيا، وشريك في الالتفاف على العقوبات، ووسيلة لاستنزاف الخصوم وتشتيت انتباههم عن جبهات أخرى.
هنا تحديداً يتجلى جوهر البراغماتية الروسية: دعمٌ يتصاعد عندما يخدم المصالح، ويتراجع عندما ترتفع الكلفة. وبينما تبدو الشراكة اليوم في ذروتها، فإن تاريخ موسكو يشير إلى أن عمق التعاون لا يضمن استمراريته، وأن أقوى التحالفات قد تتحول، عند لحظة التحول الكبرى، إلى مجرد ورقة في لعبة توازنات أكبر.
هل يعيد التاريخ نفسه؟
المقارنة بين عراق صدام حسين وإيران اليوم تبدو مغرية سياسياً، لكنها في العمق أكثر تعقيداً مما توحي به السرديات المبسطة. فـ إيران ليست مجرد نظام معزول، بل عقدة مركزية في شبكة نفوذ إقليمي تمتد عبر فاعلين غير دولتيين، وقدرات صاروخية، وبنية صناعية عسكرية تتطور باستمرار. ومع ذلك، فإن ما تكشفه قراءة سلوك موسكو عبر الأزمات الكبرى هو ثبات معيار واحد: الكلفة الاستراتيجية.
في الحالة العراقية، أدركت روسيا مبكراً أن ميزان القوة يميل بشكل حاسم لصالح واشنطن، وأن أي انخراط مباشر سيحمل مخاطر تفوق المكاسب. النتيجة كانت “معارضة محسوبة” سياسياً، يقابلها انكفاء عملي، ثم إعادة تموضع سريع داخل النظام الذي نشأ بعد الحرب. هذه ليست خيانة بالمعنى التقليدي، بل عملية إدارة خسائر ضمن رؤية أوسع لإعادة التموضع الدولي.
اليوم، تبدو الصورة أكثر تشابكاً. موسكو تستثمر بعمق في شراكتها مع طهران—عسكرياً، استخباراتياً، ولوجستياً—لكنها في الوقت ذاته تحتفظ بهوامش مناورة متعددة: قنوات مفتوحة مع خصوم إيران، تجنب الانخراط المباشر في أي مواجهة كبرى، وقدرة على تفكيك أو إعادة صياغة التحالف إذا تغيرت المعادلة. المؤشرات الميدانية، من نقل التكنولوجيا العسكرية إلى تشغيل ممرات تهريب عبر بحر قزوين، تعكس شراكة متقدمة، لكنها لا ترقى إلى مستوى “التحالف الوجودي”.
القراءة الاستخباراتية هنا لا تبحث في الخطاب المعلن، بل في أنماط السلوك: روسيا تدعم حين يكون الدعم أداة ضغط، وتنسحب حين يتحول إلى عبء. وإذا وصلت المواجهة حول إيران إلى مستوى يهدد التوازنات الكبرى—سواء عبر صدام مباشر مع الولايات المتحدة أو انهيار داخلي يبدل قواعد اللعبة—فإن الكرملين قد يعيد تموضعه بسرعة، محافظاً على مصالحه حتى لو تغيّر موقعه من المعادلة.



