دخلت العلاقات السورية – الروسية، في أعقاب سقوط نظام بشار الأسد، مرحلة غير مسبوقة من الغموض وإعادة التموضع، بعدما شكلت موسكو على مدار أكثر من عقد الداعم العسكري والسياسي الأبرز لدمشق، ورغم التغيير الجذري الذي حدث في السلطة السورية، إلا أن روسيا لديها مراجعة عميقة لاستراتيجيتها في سوريا، من القواعد العسكرية على الساحل، إلى النفوذ السياسي والأمني.
وخلال زيارته لموسكو، أكد وزير الخارجية والمغتربين السوري، أسعد الشيباني، أن العلاقات السورية الروسية تدخل عهداً جديداً مبنياً على الاحترام المتبادل. وقال الشيباني خلال اجتماعه مع نظيره الروسي سيرغي لافروف في موسكو: «مستمرون في إعادة إعمار سوريا بإرادة وطنية خالصة، ونطمح إلى أن تكون علاقاتنا مع الجميع متوازنة». وأضاف: «نعمل على جلب الاستثمارات إلى داخل سوريا لتحسين الوضع الاقتصادي».
من جانبه، أشار لافروف إلى أن الاجتماع ناقش مختلف القضايا، مشدداً على أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وتعزيز التعاون الثنائي بين البلدين.
روسيا تعيد تقييم وجودها العسكري في سوريا
بعد سقوط نظام بشار الأسد، عملت روسيا على إعادة تقييم وجودها العسكري في سوريا، حيث أدت عملية ردع العدوان إلى إجبارها على سحب غالبية قواتها التي كانت منتشرة ضِمن 114 موقعاً عسكرياً في جميع المحافظات، وإعادة تجميعها في 3 قواعد فقط في محافظات اللاذقية وطرطوس والحسكة.
وحسب وكالات، بدأت روسيا الاتصالات الأولية مع السلطة السورية الجديدة فَوْر سقوط نظام الأسد؛ حيث أجرت محادثات غير رسمية مع هيئة تحرير الشام بتاريخ 9 كانون الأول/ ديسمبر 2024 لعدم إبطال الاتفاقيات السابقة بشأن قواعدها العسكرية، ونهاية الشهر ذاته أجرى فلاديمير بوتين اتصالاً مع أحمد الشرع تضمن الحديث عن الوجود العسكري الروسي في سوريا، والذي كان أيضاً في مقدِّمة القضايا التي ناقشها نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف خلال الزيارتين اللتين أجراهما إلى دمشق مطلع عام 2025، ثم وسّع الطرفان المحادثات التقنية لذات الغرض عَبْر تبادُل زيارات الوفود العسكرية من وزارتَي الدفاع خلال تشرين الأول/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفمبر.
توصّل الطرفان -على ما يبدو- إلى موافقة سوريا على احتفاظ روسيا بقواعدها البحرية في منطقة الساحل السوري، وَفْق المبدأ الدبلوماسي “إقامة علاقات إستراتيجية جديدة”، الذي أكد عليه الرئيس أحمد الشرع، بحيث يكون من ضِمْنها تحديد حجم القوات الروسية ونشاطها في القاعدتين الساحليتين، بعدما أخذت دمشق بالاعتبار الدور الذي قامت به قاعدة حميميم خلال سنوات الصراع بما في ذلك التنسيق مع إسرائيل بشأن منع التصادم، فالمتوقّع أن تؤدي دوراً جديداً ضامناً لمنع الاشتباك بين القوات السورية وإسرائيل جنوب سوريا، على غرار الدور الذي مارسته خلال الفترة بين عامَيْ 2018 و2024، لا سيما أنّ إسرائيل تدفع بهذا الاتجاه؛ لأن استمرار وجود القواعد الروسية يُشكل رادعاً أمام وصول تركيا لمناطق شمال لبنان، وضامناً لأي اتفاقية مع سوريا مستقبلاً.
هل تحتاج دمشق إلى موسكو لإنهاء أنشطة فلول نظام الأسد؟
تاريخيًا، ارتبطت سوريا في ظل حكم نظام الأسد بعلاقات أمنية واستخباراتية وثيقة مع روسيا خلال العقود الماضية، وشكّلت أساساً لطلب دمشق من موسكو التدخل عسكرياً في سبتمبر عام 2015، عَبْر دعمها لمكافحة الإرهاب، لكن بعد سقوط النظام وجدت روسيا نفسها أمام أزمة؛ حيث بات مَن كانت تُصنّفهم بين معارضة معتدلة وإرهابية هم السلطة الشرعية في البلاد، وعملت للخروج من هذه الأزمة على التأكيد على عُمق العلاقات التاريخية بين الطرفين بغض النظر عن التغيير الذي حصل.
قد تحتاج دمشق إلى تعاون موسكو من أجل إنهاء أنشطة فلول نظام الأسد، ليس فقط من أجل الحصول منها على ضمانات بعدم قيام قواعدها في الساحل والجزيرة بتشكيل منطلق لإمداد لوجستي لهم بل عَبْر تزويدها بقاعدة بيانات عن كبار الضباط وقادة الميليشيات بما يُسهل عملية ملاحقتهم داخل سوريا وحتى خارجها. ويُمكن أيضاً لسوريا أن تُراجع اتفاقية التعاون القانوني المتبادَل في القضايا الجنائية الموقعة مع روسيا منتصف عام 2022، والتي تُؤهّلها لملاحقة الشخصيات التي لها رصيد إجرامي ومتابعتها، بما قد يقطع الإمدادات أيضاً من الفلول الذين لجؤوا إلى روسيا مثل محمد جابر قائد ميليشيا صقور الصحراء وأحد المسؤولين عن أحداث الساحل التي وقعت في 6 آذار/ مارس 2025، كما أن هذه الاتفاقية قد تُشكل أرضية قانونية لإقناع روسيا بتسليم بشار الأسد.
على غرار إعلان سوريا تعهُّدها بتوسيع التعاون الأمني مع الصين خلال زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني إلى بيكين في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 2025، والذي فُهم على أنّه يشمل حلّ ملفّ المقاتلين الأيغور في سوريا (الحزب الإسلامي التركستاني) فقد تلجأ الحكومة الجديدة لاحقاً إلى تعاوُن مماثل مع روسيا بشأن مقاتلي شمال القوقاز وآسيا الوسطى، رغم أنّ هذه القضية لم يتمّ التطرّق إليها خلال المباحثات “السورية – الروسية” بعد سقوط النظام.
تحولات جذرية في ملف الاستثمارات الروسية بسوريا
وتواجه الحكومة السورية الجديدة تحدِّياً صعباً في التعامل مع هذا الإرث الثقيل، وفي لقاء جمع الرئيس أحمد الشرع بنائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف في كانون الثاني/ يناير 2025، طالبت دمشق بإلغاء الديون المتراكمة منذ عهد الأسد، وكذلك بإعادة أموال يُزعم أن الأسد أودعها في روسيا، لكن الجانب الروسي نفى وجود مثل هذه الأموال.
وشهدت الأشهر الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد تحولات جذرية في ملفّ الاستثمارات الروسية في سوريا، حيث قامت الحكومة السورية الجديدة بإلغاء عدد من العقود الإستراتيجية التي كانت قد منحت لشركات روسية امتيازات واسعة. وكان أبرز هذه القرارات إلغاء عقد إدارة ميناء طرطوس التجاري الذي كان ممنوحاً لشركة STG-Stroytransgaz الروسية منذ عام 2019 لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد تلقائياً لـ 25 عاماً. حسب جسور.
كانت زيارة الرئيس أحمد الشرع رفقة وفد سوري رفيع المستوى إلى روسيا في 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2025، واللقاء بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين بمثابة تتويج لسلسلة من الاتصالات بين الجانبين السوري والروسي، بدأت بزيارة وفد روسي برئاسة نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف إلى دمشق في كانون الثاني/ يناير 2025، وأعقبها الاتصال الهاتفي الذي أجراه بوتين مع الشرع في شباط/ فبراير، ثم الرسالة التي أرسلها بوتين للشرع في آذار/ مارس، إضافة إلى 3 لقاءات بين وزيرَي الخارجية السوري أسعد الشيباني، والروسي سيرجي لافروف.






