تُسلط المعطيات المتواترة من تل أبيب خلال الأيام الأخيرة الضوء على أزمة داخلية متفاقمة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية بشأن قرار احتلال مدينة غزة. فخلف التصعيد الظاهري والتحضيرات العسكرية، تتكشف تصدعات عميقة في الرؤية الاستراتيجية لمستقبل الحرب، ومدى جدوى الخطوة الميدانية المرتقبة، في ظل مؤشرات قوية على أن النتائج المتوقعة لن تكون في صالح إسرائيل، لا عسكرياً ولا سياسياً.
حرب استنزاف طويلة الأمد
التقديرات الصادرة عن الجيش والمخابرات الإسرائيلية تشير بوضوح إلى قناعة راسخة داخل أوساط أمنية ومهنية بأن احتلال مدينة غزة لن يحقق الأهداف المعلنة للحرب، وعلى رأسها القضاء على حركة “حماس” أو تحرير الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في القطاع. بل يُحذر كبار الضباط من أن العملية قد تأتي بنتائج عكسية، وتفتح الباب أمام حرب استنزاف طويلة الأمد، تخدم في جوهرها استراتيجية “حماس” القائمة على إنهاك الجيش الإسرائيلي في معارك كرّ وفرّ داخل بيئة حضرية معقدة، فوق أرض مفخخة وتحت شبكة أنفاق لا تزال فاعلة.
الأرقام التي يجري تداولها داخل “الكابينت” الإسرائيلي تؤكد خطورة القرار. فالتقدير بأن المعركة ستُكلف حياة أكثر من مئة جندي إسرائيلي، وتحتاج لما لا يقل عن عام من العمليات المستمرة لتطهير المدينة فوق الأرض وتحتها، يضع القيادة أمام معضلة حقيقية: بين التمسك برؤية الحسم العسكري الكلي، وبين القبول بخيار سياسي تفاوضي يضع حداً للحرب لكن دون “نصر حاسم”. هذه المعضلة لا تقتصر على البعد العسكري، بل تتعداها إلى التكلفة المالية الهائلة للعملية – قرابة 30 مليار شيقل سنوياً – ما يزيد من الضغوط على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يعاني أصلاً من تداعيات الحرب الطويلة.
غضب شعبي لعائلات الأسرى
أما على الصعيد الإنساني والسياسي، فإن عواقب التوغل في قلب مدينة يسكنها نحو مليون نسمة ستكون فادحة. فبحسب تقديرات المحللين الإسرائيليين أنفسهم، فإن المشهد الإنساني في غزة، الذي هو بالأصل مأساوي، سيتحول إلى كارثة شاملة، من شأنها أن تزيد من عزلة إسرائيل في الساحة الدولية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب – والذي يُعد من أبرز حلفاء نتنياهو – على أنها مؤشر لتراجع الدعم الدولي لنهج الحرب المفتوحة. فحديث ترمب عن أن إسرائيل “لا تنتصر في الرأي العام” يُقرأ داخل إسرائيل على أنه تحذير مبكر من فقدان الغطاء الأميركي الذي لطالما شكل ركيزة أساسية في تبرير العمليات العسكرية أمام المجتمع الدولي.
الموقف الأكثر حساسية في هذه المعادلة يتمثل في ملف الرهائن. فقد كشف ضباط من وحدة شؤون الأسرى في الجيش عن مخاوف كبيرة من أن العملية العسكرية داخل غزة ستُهدد سلامة الرهائن الأحياء وتُعقد جهود استرجاع الجثامين. وغياب المعلومات الدقيقة حول أماكن احتجازهم يجعل من أي تقدم عسكري مخاطرة عالية، خصوصاً في ظل اعتماد “حماس” أساليب متنقلة للاحتفاظ بالأسرى واستخدامهم كورقة تفاوضية. الغضب الشعبي لعائلات المختطفين، واستغرابهم من إصرار القيادة العسكرية والسياسية على التقدم نحو معركة قد تودي بحياة أبنائهم، يضع الحكومة الإسرائيلية أمام ضغط داخلي متزايد، يُضاف إلى الضغوط الخارجية المتصاعدة.
من زاوية أخرى، يتزايد الاقتناع داخل الدوائر الأمنية والإعلامية بأن قرارات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لم تعد نابعة من اعتبارات عسكرية بحتة، بل تتداخل فيها حسابات سياسية وشخصية، تتعلق برغبته في البقاء في السلطة وتجنب المحاسبة القضائية، أكثر من سعيه لتحقيق نصر حاسم على “حماس”. هذا التوصيف الحاد الذي ورد في أكثر من تحليل صحافي إسرائيلي، يعكس قلقاً متزايداً من تحوّل الحرب إلى رهينة لمصالح فردية، في وقت تتطلب فيه البلاد رؤية استراتيجية واقعية تحفظ أمنها وتقلص خسائرها المتزايدة.
تكتيك عصابات
وبينما تواصل “حماس” اتباع تكتيكات عصابات مرهقة، أقرب إلى نموذج “السرايا” وليس “ستالينغراد”، كما تشير التحليلات الاستخبارية الإسرائيلية، فإن كل يوم تأخير في الحسم أو الخروج من غزة يعني مزيداً من التورط، ومزيداً من الفقدان للشرعية الدولية. التحذيرات من أن إسرائيل تقترب من التحول إلى “دولة منبوذة” لا تصدر من جهات معادية، بل من داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها، التي ترى أن استمرار الحرب دون أفق سياسي بات عبئاً أمنياً واستراتيجياً أكثر منه فرصة لتحقيق مكاسب.
في المحصلة، يبدو أن الحرب على غزة دخلت مرحلة دقيقة، حيث لا يزال القرار النهائي بيد القيادة السياسية، لكن كل المؤشرات الاستخباراتية والميدانية والإنسانية تُحذر من المضي قدماً نحو خيار الاحتلال الكامل للمدينة. في ظل ذلك، يبقى الأمل الوحيد، كما يرى بعض المحللين الإسرائيليين، في تدخل خارجي يتيح مخرجاً سياسياً لرئيس الحكومة، يُجنبه التراجع المُحرج، ويمنح إسرائيل مبرراً لوقف التصعيد، دون إعلان الهزيمة. ولكن حتى ذلك الحين، فإن كل يوم تأخير يزيد من تعقيد الموقف، ويُقرب الجميع من نقطة اللاعودة.







