تكشف ثلاث وثائق – أميركية وسورية وأممية – اطلعت “المجلة” على مضامينها، عن توجهات جديدة في مسار العلاقة بين دمشق من جهة، وواشنطن والأمم المتحدة من جهة أخرى، وسط مؤشرات على إمكانية إعادة تشكيل المشهد الدبلوماسي والمالي في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد.
مطالب أميركية مشروطة ببدء التخفيف
الوثيقة الأميركية، التي حملتها ناتاشا فرانشيسكي، نائبة مساعد وزير الخارجية الأميركي، إلى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في لقاء عقد ببروكسل منتصف مارس/آذار، تضمنت ثمانية مطالب وصفت بأنها أساسية لبدء تخفيف العقوبات ومنح ترخيص مدته عامان. ومن بين البنود التي واجهت تحفظاً سورياً، بند يدعو إلى إصدار إعلان رسمي يحظر الأنشطة السياسية للفصائل الفلسطينية على الأراضي السورية، وآخر يمنح واشنطن حق تنفيذ عمليات على الأرض ضد من تصنفهم تهديداً لأمنها، إلى جانب المطالبة بتصنيف الحرس الثوري الإيراني وحزب الله كتنظيمين إرهابيين.
دمشق ردت لاحقاً بخطاب رسمي تضمن ملاحظات وتحفظات، مع تأكيدها أنها أنجزت خطوات ملموسة تتعلق بتفكيك الترسانة الكيماوية، ومكافحة “داعش”، وتشكيل جيش مهني. وتشير مصادر إلى أن عدداً من مطالب واشنطن تم التعاطي معها، في حين أبدت دمشق حذراً تجاه ما يمس سيادتها أو يفتح المجال لتدخل خارجي غير مشروط.
البرنامج الإنمائي وسيطاً لإدارة الأصول المجمدة
الوثيقة الأممية التي أعدها نائب رئيس الوزراء السوري السابق عبدالله الدردري، تتناول مقترحاً بإشراف “البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة” على إدارة وإنفاق نحو 500 مليون دولار من أموال الدولة السورية المجمدة في أوروبا، بتمويل مشاريع إنمائية داخل البلاد، في إطار يتجاوز العقوبات الأميركية. ووفقاً للوثيقة، فإن المشروع يهدف لتجاوز التعقيدات القانونية والسياسية التي تمنع تحويل هذه الأموال مباشرة إلى الحكومة، عبر إنشاء آلية مؤسسية أممية تضمن الشفافية وتحدد أوجه الصرف.
دبلوماسية جديدة وعودة العلم السوري إلى نيويورك
تتحرك الحكومة السورية الجديدة بخطى محسوبة على الساحة الدولية. ويتجه وزير الخارجية الشيباني إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات مجلس الأمن ورفع العلم السوري في مقر الأمم المتحدة، وهي خطوة رمزية ذات دلالات سياسية، خصوصاً بعد أن خفّضت واشنطن مستوى تمثيل الوفد السوري، معتبرة أنه يمثل حكومة لا تعترف بها رسمياً.
تزامن ذلك مع لقاء جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بعضو الكونغرس كوري لي ميلز، في أول زيارة من نوعها منذ تغيير الحكم في دمشق، إلى جانب اجتماعات أخرى تناولت ملفات أمنية واقتصادية، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب.
السعودية والبنك الدولي يدخلان على خط إعادة الإعمار
من جهتها، تحركت المملكة العربية السعودية بالتنسيق مع البنك الدولي لعقد اجتماع خاص بسوريا على هامش الاجتماعات المالية في واشنطن. وتعتزم الرياض سداد ما يقارب 15 مليون دولار من متأخرات سوريا للبنك الدولي، ما قد يفتح الباب أمام منح بقيمة مئات الملايين، بينها 300 مليون دولار لدعم قطاع الكهرباء والبنية التحتية.
تباين في المقاربات الأميركية
تسود حالة من الانقسام داخل الإدارة الأميركية حول النهج المناسب تجاه دمشق. فبينما يتمسك مسؤولون في مجلس الأمن القومي ومديرة الاستخبارات تولسي غابارد بخط متشدد يرفض الانخراط مع النظام السوري الجديد، يدفع جناح آخر، يضم وزارة الخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية، باتجاه سياسة انخراط مشروط، تثمّن الدور السوري في تحجيم النفوذ الإيراني وتثبيت الاستقرار الإقليمي.
خطوات تنفيذية على الأرض
بالتوازي مع النقاشات السياسية، تواصل دمشق تنفيذ اتفاق أمني-سياسي مع “قوات سوريا الديمقراطية”، والتي زار قائدها مظلوم عبدي دمشق مرتين بطائرة أميركية. وشمل الاتفاق وقف إطلاق النار مع تركيا، وتحسين التنسيق الأمني، فيما باشرت واشنطن خفض وجودها العسكري شمال شرقي سوريا، عبر تقليص عدد القواعد والجنود المنتشرين هناك.
وتبدو هذه التحركات مؤشراً على إعادة ترتيب الأوضاع في سوريا ضمن إطار دولي جديد، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية مع المصالح الغربية، بينما تحاول دمشق كسب اعتراف تدريجي من القوى الفاعلة، وإعادة تموضعها كلاعب شرعي على المسرح الدولي.






