بينما تتصاعد العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، تلوح في الأفق تساؤلات جدية حول مستقبل المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا، في ظل مؤشرات على إعادة ترتيب الأولويات داخل البنتاغون.
تفيد تقارير إعلامية، من بينها ما نشرته واشنطن بوست، بأن وزارة الدفاع الأمريكية تدرس إمكانية تحويل بعض الأسلحة المخصصة لكييف نحو الشرق الأوسط، في ظل الاستنزاف المتسارع للذخائر نتيجة الحرب مع إيران. ورغم عدم اتخاذ قرار رسمي حتى الآن، فإن مجرد طرح هذا الخيار يعكس حجم الضغط الذي تواجهه المؤسسة العسكرية الأمريكية.
دبلوماسية السلاح: إعادة توزيع أم أزمة موارد؟
الحديث عن إعادة توجيه الأسلحة لا يدور حول معدات تقليدية، بل يشمل أنظمة دفاع جوي متطورة، من بينها صواريخ اعتراضية تم توفيرها سابقًا عبر مبادرات دعم أوكرانيا بالتعاون مع حلف شمال الأطلسي. هذه المبادرات سمحت لدول شريكة بتمويل شراء أسلحة أمريكية لصالح كييف، ما جعلها أحد الأعمدة الأساسية في دعم الدفاعات الأوكرانية.
لكن مع تصاعد العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، بدأت هذه المنظومة تواجه اختبارًا حقيقيًا. فقد أعلن الأدميرال براد كوبر أن القوات الأمريكية استهدفت أكثر من 10 آلاف موقع داخل إيران، في مؤشر على حجم العمليات واتساع نطاقها.
في هذا السياق، يؤكد البنتاغون أنه سيضمن تزويد القوات الأمريكية وحلفائها بما يلزم لتحقيق “النصر”، وهي عبارة تحمل في طياتها احتمال إعادة ترتيب الأولويات، حتى لو جاء ذلك على حساب جبهات أخرى.
أوروبا القلقة: حرب تسرق الاهتمام من أوكرانيا
في العواصم الأوروبية، يتزايد القلق من أن يؤدي الانخراط الأمريكي العميق في الشرق الأوسط إلى تراجع الدعم الموجه لأوكرانيا. هذا القلق عبّر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي شدد على أن الحرب في إيران “يجب ألا تصرف الانتباه” عن دعم كييف.
ورغم هذه التصريحات، فإن الغموض لا يزال يحيط بموقف الناتو، الذي لم يوضح بشكل قاطع ما إذا كان يشعر بالقلق من احتمال إعادة توجيه المعدات العسكرية الأمريكية.
في المقابل، يواصل الحلف وشركاؤه تمويل برنامج “قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية”، وهو آلية تسمح بتمويل شراء الأسلحة الأمريكية لكييف بأموال أوروبية، ما يخفف جزئيًا من عبء الدعم عن واشنطن.
مخزون تحت الضغط: أرقام تكشف حجم الاستنزاف
تكشف الأرقام عن واقع أكثر تعقيدًا. فمنذ الصيف الماضي، ساهمت المبادرات المشتركة في توفير نسبة كبيرة من الصواريخ المستخدمة في أنظمة الدفاع الجوي الأوكرانية، بما في ذلك بطاريات باتريوت.
لكن في المقابل، أظهرت الحرب في الشرق الأوسط استهلاكًا غير مسبوق لهذه الذخائر. فقد أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أن مئات صواريخ باتريوت استُخدمت خلال أيام قليلة فقط في الحرب ضد إيران، وهو رقم يفوق ما حصلت عليه أوكرانيا خلال فترات طويلة من الحرب مع روسيا.
هذا التفاوت يعكس حجم الضغط على المخزون العسكري الأمريكي، ويطرح تساؤلات حول قدرة الصناعات الدفاعية على مواكبة وتيرة الاستهلاك.
الصناعة العسكرية الأمريكية: حدود القوة في زمن الحروب المتعددة
يحاول البنتاغون تسريع إنتاج الذخائر، لكنه يصطدم بواقع صناعي معقد، حيث لا يمكن زيادة الإنتاج بشكل فوري لتلبية متطلبات حربين في آن واحد. وفي هذا السياق، تدرس إدارة دونالد ترامب تقديم طلب ميزانية تكميلية ضخمة لتعزيز القدرات العسكرية.
ورغم موافقة الكونغرس سابقًا على تمويل إضافي لدعم أوكرانيا، فإن التحدي اليوم لا يتعلق فقط بالمال، بل بالقدرة الإنتاجية وسلاسل الإمداد.
كييف في موقف حرج: بين الحاجة العسكرية وحسابات الحلفاء
بالنسبة لأوكرانيا، تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا. فهي تخوض حربًا طويلة ضد روسيا، وتعتمد بشكل كبير على الدعم الغربي، خصوصًا في مجال الدفاع الجوي.
وفي هذا السياق، أكدت أولغا ستيفانيشينا أن كييف تواصل التنسيق مع شركائها، مع إدراكها لحجم “عدم اليقين الكبير” الذي يحيط بالمشهد الدولي.
هذا التصريح يعكس إدراكًا أوكرانيًا بأن الدعم الغربي لم يعد مضمونًا بنفس الدرجة، وأن الأولويات قد تتغير بسرعة في عالم تحكمه الأزمات المتداخلة.






