تتزايد المؤشرات على أن النظام الإيراني يجد نفسه محاصراً بين كماشة الضغوط الخارجية المطبقة من واشنطن وتل أبيب، وهشاشة الداخل التي تعاني من غليان اقتصادي واجتماعي متصاعد. وفي خضم هذه الأزمة الوجودية التي تحاول طهران إدارتها تحت ضغط الوقت، يبرز التساؤل الجوهري حول أبعاد التصعيد الإقليمي الراهن، وما إذا كان استمرار طغيان العمل العسكري عبر الأذرع يمثل محاولة يائسة لتشتيت الانتباه وإبعاد شبح المواجهة المباشرة عن العمق الإيراني.
ضغوط داخلية غير مسبوقة وهامش مناورة متراجع
تنعكس الأزمة الاقتصادية الطاحنة في إيران بشكل مباشر على استقرار النظام؛ حيث يتزامن تدهور العملة الوطنية وارتفاع معدلات البطالة مع مؤشرات مقلقة على تآكل القدرة على ضبط الشارع. ووفقاً لقراءات تحليلية عسكرية وسياسية، فإن تلويح السلطات بخيار قطع الإنترنت لم يعد مجرد إجراء احترازي ضد الاحتجاجات، بل يعكس هلعاً حقيقياً من اتساع رقعة الغضب الشعبي واستلهام التحركات السابقة.
ولا يقتصر التأزم على الجبهة الاقتصادية، بل يمتد إلى الخاصرة الأمنية المتمثلة في تصاعد التوترات في بلوشستان، واستهداف قيادات أمنية بارزة من الحرس الثوري والباسيج، فضلاً عن المخاوف الجدية من انخراط قوى قومية أخرى كالأكراد والعربستانيين في حراك واسع. هذا التصدع الداخلي يجعل النظام الإيراني يبدو في وضع أضعف بكثير مقارنة بمحطات الاحتجاج السابقة، مما يضعه أمام خيارات ضيقة للغاية في رسم سياساته الخارجية.
هندسة مسارح المواجهة والورقة اليمنية
في محاولة لتعويض هذا العجز البنيوي وتخفيف وطأة الضغط المزدوج، عمدت طهران بعد جولات المواجهة السابقة إلى إعادة توزيع مسارح العمليات الإقليمية. ولم يعد الحساب الإيراني يقتصر على المواجهة المباشرة مع القوات الأمريكية، بل امتد عبر شبكة واسعة من الجبهات، بدءاً من الساحة العراقية وصولاً إلى الورقة اليمنية التي تُدار عبر الحوثيين كواجهة رئيسية.
يشير حجم الاستهدافات المتقدمة في العمق السعودي ومناطق الملاحة الحيوية في باب المندب إلى قدرات تقنية وتوجيهية تتجاوز الإمكانات التقليدية للحوثيين، مما يرجح وجود غرف عمليات وشركاء إقليميين يزودون هذه الأذرع بالإحداثيات والمعلومات الاستخبارية الدقيقة. ومن هذا المنظور، يبدو التصعيد العابر للحدود أداة مقصودة لإبقاء المنطقة في حال استنزاف مستمر، بهدف نقل الأزمة إلى خارج الحدود الإيرانية وفرض واقع ميداني يعيق أي إجماع دولي على تقويض نفوذ طهران.
رهان الوقت وحسابات الأسابيع المقبلة
تراهن القيادة الإيرانية في الوقت الحالي على عامل الوقت واستنفار الدبلوماسية الدولية، بالتزامن مع دخول أطراف دولية أخرى كروسيا على خط الوساطة لتحقيق مكاسب اقتصادية مرتبطة بالطاقة والتصدير، دون أن يؤدي ذلك إلى حل جذري للأزمة. في المقابل، تظل الاحتمالات مفتوحة على سيناريوهات بالغة الخطورة، خصوصاً في ظل استمرار الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية وغياب أي أفق لتسوية سياسية حقيقية.
إن الأسبوعين المقبلين يحملان في طياتهما فتيل مزيد من التصعيد، في وقت باتت فيه خيارات الهروب إلى الأمام عبر تحريك الجبهات الإقليمية تضيق تدريجياً، مما يجعل طهران أمام حتمية مواجهة أزماتها البنيوية المتأصلة دون جدوى الاعتماد المستمر على سياسة تشتيت الضغوط.






