في تطور جديد قد يعيد رسم مسار الأزمة الإقليمية، كشفت إيران عن تفاصيل أحدث مقترحاتها لإنهاء الحرب والتوترات القائمة مع الولايات المتحدة، في خطوة تحمل أبعادًا تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري في المنطقة بالكامل.
المقترح الإيراني الجديد لا يقتصر على إنهاء العمليات العسكرية، بل يتضمن حزمة مطالب واسعة تشمل رفع العقوبات الاقتصادية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودفع تعويضات عن الأضرار الناتجة عن الحرب، إضافة إلى مطلب بالغ الحساسية يتمثل في انسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من الحدود الإيرانية.
ويأتي هذا الطرح في وقت تبدو فيه المنطقة أمام لحظة فارقة؛ إما الانزلاق نحو مواجهة جديدة، أو فتح نافذة تسوية قد تغير قواعد الاشتباك المستمرة منذ أشهر.
طهران: وقف النار يجب أن يشمل جميع الجبهات
بحسب ما أعلنته طهران، فإن المقترح المقدم إلى واشنطن يتضمن وقفًا شاملاً للأعمال القتالية على مختلف الجبهات، بما يشمل الساحة اللبنانية، في محاولة لتوسيع إطار التهدئة وعدم حصرها في المواجهة الأميركية الإيرانية المباشرة فقط.
ونقلت وسائل إعلام إيرانية عن نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب أبادي أن بلاده تطالب أيضًا بإنهاء ما وصفته بـ”الحصار البحري الأميركي”، إلى جانب رفع كامل العقوبات الاقتصادية والإفراج عن الأموال الإيرانية المحتجزة في الخارج.
وتعتبر إيران أن أي اتفاق لا يتضمن معالجة التداعيات الاقتصادية للحرب لن يكون كافيًا لضمان استقرار طويل الأمد.
مطالب قديمة بصياغة جديدة
ورغم الحديث عن “مقترح جديد”، تشير المعطيات إلى أن الشروط الإيرانية المطروحة لا تختلف كثيرًا عن بنود سابقة تم تداولها خلال الأسابيع الماضية.
وكان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب قد رفض مقترحات إيرانية سابقة بصورة حادة، ووصفها بأنها “غير مقبولة”، ما أثار شكوكًا حول إمكانية تحقيق اختراق حقيقي في المفاوضات.
إلا أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن ترامب حملت لهجة أقل حدة مقارنة بالمواقف السابقة، بعدما أعلن وقفًا مؤقتًا لاستئناف هجمات كانت مخططًا لها ضد إيران.
ترامب يلمح إلى فرصة للتسوية
وفي مؤشر اعتبره مراقبون تحولًا في نبرة الخطاب الأميركي، تحدث ترامب عن وجود “فرصة جيدة جدًا” للتوصل إلى حل سياسي يحد من البرنامج النووي الإيراني.
وأكد خلال تصريحات صحافية أن واشنطن ستكون راضية إذا تم التوصل إلى اتفاق يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، مشيرًا إلى أنه يفضل التسوية الدبلوماسية إذا أمكن تحقيق الأهداف دون تصعيد عسكري واسع.
وتعكس هذه التصريحات وجود توازن دقيق داخل الإدارة الأميركية بين ضغوط التصعيد العسكري والرغبة في تفادي توسع دائرة الصراع.
مضيق هرمز.. العامل الأكثر حساسية
بعيدًا عن الجوانب العسكرية والسياسية، يبدو أن الحسابات الاقتصادية تلعب دورًا حاسمًا في تسريع جهود التفاوض، فإغلاق أو تعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز قد يفرض تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، نظرًا إلى أهمية المضيق باعتباره أحد أبرز الممرات الحيوية لنقل النفط والسلع الاستراتيجية.
ولهذا السبب، تتزايد الضغوط الدولية من أجل احتواء الأزمة قبل أن تتحول إلى تهديد مباشر لسلاسل الإمداد وأسواق الطاقة العالمية.
باكستان تدخل على خط الوساطة
وفي خلفية المشهد، برز دور إسلام آباد كوسيط بين الجانبين، حيث أفادت مصادر بأن باكستان نقلت رسائل متبادلة بين واشنطن وطهران خلال الفترة الأخيرة.
ووفق المعلومات المتداولة، فإن المسؤولين الباكستانيين أبلغوا واشنطن بالمقترح الإيراني الجديد، وسط مؤشرات على استمرار الاتصالات الدبلوماسية رغم تعثر المفاوضات الرسمية.
لكن مصدرًا مطلعًا أشار إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في أن “كل طرف يواصل تعديل شروطه”، مضيفًا أن الوقت المتاح أمام جهود الوساطة يضيق بصورة متسارعة.
إشارات متضاربة تربك المشهد
وفي موازاة التصريحات الإيجابية، ظهرت مؤشرات متباينة بشأن مسار المفاوضات.
وتحدثت مصادر إيرانية عن احتمال إبداء واشنطن مرونة أكبر في بعض الملفات، بينها الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، مع السماح باستمرار بعض الأنشطة النووية السلمية تحت رقابة دولية، لكن هذه المعلومات لم تلق تأكيدًا رسميًا من الجانب الأميركي، بل إن مسؤولين أميركيين نفوا تقارير تحدثت عن موافقة واشنطن على رفع العقوبات النفطية خلال مسار التفاوض، ويعكس هذا التناقض حجم الضبابية التي لا تزال تحيط بالمحادثات.
المنطقة أمام اختبار جديد
وتأتي هذه التطورات بعد شهور من المواجهات والغارات التي خلفت آلاف الضحايا في إيران ولبنان، ودفعت المنطقة إلى حافة انفجار واسع النطاق.
وبين لغة المقترحات السياسية وتهديدات القوة العسكرية، تبدو المنطقة أمام اختبار شديد التعقيد؛ فنجاح التفاهمات قد يفتح الباب أمام مرحلة مختلفة، بينما قد يؤدي فشلها إلى جولة تصعيد جديدة تحمل تداعيات تتجاوز حدود أطراف الصراع المباشرين.




