عاد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ليطرح خيار التحرك الدبلوماسي من جديد، عبر الإعلان عن التحضير لسلسلة اجتماعات مرتقبة خلال الأسبوع المقبل، في محاولة لإعادة إحياء مسار تفاوضي بات شديد الهشاشة، وسط تشابك غير مسبوق بين ملف الحرب الأوكرانية وتوترات دولية أوسع تقودها واشنطن في أكثر من جبهة.
كييف تبحث عن نافذة سياسية بعد تعثر المسار
زيلينسكي أعلن، في خطابه اليومي مساء السبت 31 يناير، أن بلاده تستعد لعقد اجتماعات دبلوماسية الأسبوع المقبل، في إطار جهود استئناف المفاوضات مع روسيا. ورغم أن التصريح جاء بصيغة عامة، إلا أنه حمل إشارة واضحة إلى أن كييف لم تعد تراهن على الاجتماعات السابقة بصيغتها الحالية، بل تسعى إلى إعادة ترتيب مسار الحوار من جديد.
وقال الرئيس الأوكراني إن بلاده على تواصل دائم مع الجانب الأمريكي، وتنتظر من واشنطن تفاصيل الاجتماعات المقبلة، مؤكداً استعداد أوكرانيا للعمل بكل صيغ التعاون الممكنة، شرط أن تكون الاجتماعات ذات طابع عملي وتؤدي إلى نتائج ملموسة، لا أن تتحول إلى مجرد جولات بروتوكولية.
هذا الخطاب يعكس إدراكاً أوكرانياً متزايداً بأن الوقت لا يعمل بالضرورة لصالح كييف سياسياً، حتى مع استمرار الدعم الغربي، وأن الحفاظ على مسار تفاوضي مفتوح بات ضرورة سياسية، وليس خياراً ثانوياً.
أبو ظبي خارج الحسابات… مؤقتاً
اللافت في تصريحات زيلينسكي أنه بدا وكأنه يستبعد، بصورة غير مباشرة، الاجتماع الذي كان متوقعاً عقده يوم الأحد في أبو ظبي بين الوفدين الأوكراني والروسي، ما يوحي بأن الصيغة التي طُرحت سابقاً لم تعد مناسبة في ظل التطورات الأخيرة.
وكانت أبو ظبي قد استضافت في 23 و24 يناير الجولة الأولى من المحادثات التي شارك فيها ممثلون عن أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة، في أول لقاء مباشر معروف يجمع الأطراف الثلاثة في محاولة لفتح مسار لإنهاء الحرب. وقد اتفق المشاركون حينها على استئناف هذه اللقاءات في الأول من فبراير.
غير أن هذا الموعد، بحسب زيلينسكي، لم يعد مضموناً، لا من حيث التوقيت ولا من حيث المكان.
لماذا تغيّر موعد ومكان الاجتماع؟
زيلينسكي أشار بوضوح إلى أن «الموعد والمكان» قد يتغيران بسبب «الوضع» المتعلق بالتوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران.
هذا الربط بين ملف الحرب في أوكرانيا والتصعيد الأميركي تجاه طهران يعكس حجم التأثير الذي باتت تمارسه أولويات واشنطن الاستراتيجية على مسار الوساطة في أكثر من ساحة. فمنذ موجة الاحتجاجات التي شهدتها إيران مطلع يناير وقمعها العنيف، كثّف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لهجته التهديدية تجاه طهران، ورفع من مستوى الضغط السياسي والعسكري لدفعها نحو اتفاق نووي جديد.
في هذا السياق، تبدو واشنطن مضطرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها الدبلوماسية، وهو ما ينعكس مباشرة على ملف الوساطة بين موسكو وكييف، سواء من حيث توقيت الاجتماعات أو مستوى الانخراط السياسي فيها.
الوساطة الأمريكية… حضور ضروري بلا التزامات واضحة
ورغم استمرار الرهان الأوكراني على الدور الأمريكي، إلا أن طبيعة هذا الدور لا تزال ضبابية. فقد أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو هذا الأسبوع أن وفداً أمريكياً قد يشارك في الاجتماع المزمع عقده بشأن أوكرانيا، من دون أن يؤكد ذلك بشكل نهائي.
هذا الغموض يعكس حذراً أمريكياً واضحاً في إدارة الملف، فواشنطن تحاول الإبقاء على موقع الوسيط المؤثر، من دون التورط في التزامات سياسية قد تفرض عليها لاحقاً ضغوطاً للقبول بتسويات لا تنسجم بالكامل مع مصالحها أو مع حساباتها تجاه روسيا.
في المقابل، تواصل الإدارة الأمريكية تحركاتها غير العلنية مع الجانب الروسي، بعيداً عن الأطر التقليدية.
قنوات خلفية بين واشنطن وموسكو
في هذا الإطار، برز لقاء لافت جرى في فلوريدا، جمع المبعوث الاقتصادي للكرملين كيريل ديميترييف مع المبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ووزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، إضافة إلى جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي.
وصف الطرفان هذا اللقاء بأنه «بناء»، من دون الكشف عن تفاصيل ما دار خلاله، وهو ما يعزز الانطباع بأن جزءاً مهماً من النقاشات المتعلقة بمستقبل الحرب في أوكرانيا يجري حالياً عبر قنوات غير رسمية، وبعيداً عن طاولة التفاوض المباشرة التي تجمع كييف وموسكو.
هذا المسار الموازي يمنح واشنطن هامشاً أوسع للمناورة مع روسيا، لكنه في الوقت ذاته يثير قلقاً أوكرانياً مكتوماً من احتمال أن تتحول بعض التفاهمات إلى أمر واقع قبل أن تنضج صيغة تفاوضية شاملة.
عقدة الأراضي… المأزق الحقيقي للمفاوضات
ورغم كل الحديث عن الاجتماعات المقبلة والتحركات الدبلوماسية، تبقى المعضلة الأساسية التي تعيق أي تقدم حقيقي هي ملف الأراضي.
فالمحادثات الهادفة إلى التوصل إلى حل سياسي للحرب التي اندلعت بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022 تصطدم بشكل مباشر بمطلب روسي مركزي، يتمثل في انسحاب القوات الأوكرانية من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها داخل إقليم دونيتسك.
بالنسبة لكييف، يشكل هذا الشرط تجاوزاً للخطوط الحمراء السيادية، ويُنظر إليه باعتباره محاولة لفرض نتائج ميدانية بالقوة على طاولة التفاوض. أما بالنسبة لموسكو، فيُعد هذا الملف جزءاً لا يتجزأ من أي تسوية سياسية نهائية.
هذه الفجوة العميقة في الرؤى تجعل أي جولة تفاوضية جديدة عرضة للتعثر السريع، ما لم يحدث تغير جوهري في مواقف أحد الطرفين.
بين الرغبة في التفاوض وحدود الواقع
في المحصلة، تعكس تصريحات زيلينسكي استعداداً أوكرانياً لإبقاء الباب الدبلوماسي مفتوحاً، رغم إدراك كييف أن الظروف السياسية الدولية لم تعد مهيأة كما كانت في السابق لدفع موسكو إلى تنازلات كبرى.
كما تكشف التطورات الأخيرة أن مسار التفاوض حول أوكرانيا بات أكثر ارتباطاً بالتحولات الأوسع في سياسة واشنطن، وبتوتراتها المتصاعدة مع أطراف دولية أخرى، وعلى رأسها إيران.
وبينما تستعد كييف لاجتماعات جديدة تأمل أن تعيد الزخم إلى المسار السياسي، تبقى المفاوضات محكومة بواقع قاسٍ: رغبة معلنة في الحوار، تقابلها عقد استراتيجية عميقة، تجعل من أي اختراق حقيقي مهمة بالغة الصعوبة في المرحلة الراهنة.







