في توقيت لا يخلو من رسائل سياسية محسوبة، اختارت موسكو أن ترفع منسوب الضغط العسكري على أوكرانيا، بينما كانت العواصم الغربية تتهيأ لجولة تفاوض جديدة في أبوظبي، يُفترض أن تُعيد فتح نافذة ضيقة أمام مسار دبلوماسي متعثر منذ أشهر.
فقد عنونت نيويورك تايمز تقريرها بوضوح لافت:
«عشية محادثات السلام، روسيا تشن غارات على محطات توليد الطاقة في أوكرانيا المتجمدة»، في توصيف يلخص بدقة طبيعة اللحظة: تصعيد ميداني في مواجهة مسار تفاوضي هش.
الهجمات، التي تزامنت مع الاستعداد لجولة محادثات تُعقد يوم الأربعاء 4 فبراير في أبوظبي، بمشاركة مبعوثين أمريكيين يتقدمهم ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إضافة إلى ممثلين عن موسكو وكييف، لم تكن مجرد تطور عسكري عابر، بل حملت في طياتها إشارات تفاوضية واضحة.
تصعيد مدروس في قلب الشتاء
وفق ما نقلته صحيفة لوموند، أطلقت روسيا خلال ليلة الثلاثاء – الأربعاء 105 طائرات مسيّرة باتجاه الأراضي الأوكرانية، ما أسفر عن مقتل شخصين في منطقة لوهانسك.
وتضيف موسكو تايمز أن الضربات استهدفت منشآت حيوية في قطاع الطاقة، وتسببت بأضرار جسيمة أدت إلى انقطاع التدفئة عن أكثر من ألف مبنى سكني في كييف، وأكثر من 800 مبنى في خاركيف.
اللافت في هذا التصعيد ليس فقط كثافة الهجمات، بل طبيعة أهدافها. فالبنية التحتية للطاقة باتت، منذ شتاء الحرب الأول، سلاحاً استراتيجياً في المعركة، لما تمثله من ضغط مباشر على السكان، وعلى قدرة الدولة الأوكرانية على الصمود الإداري والخدماتي في ذروة البرد.
الرسالة الروسية هنا مزدوجة: إنهاك الداخل الأوكراني من جهة، ورفع كلفة الوقت أمام القيادة في كييف من جهة أخرى، قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.
الغارات تتقاطع مع زيارة الناتو… ودلالات سياسية واضحة
في مشهد رمزي شديد الحساسية، أشارت صحيفة 20 دقيقة إلى أن صافرات الإنذار دوت في كييف خلال زيارة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، إلى العاصمة الأوكرانية في الثالث من فبراير.
وبحسب لو دوفوار، اعتبر روته أن هذه الضربات «لا تُظهر أي جدية حقيقية تجاه السلام من جانب موسكو».
غير أن القراءة الأوسع داخل الدوائر الدبلوماسية الغربية لا تتوقف عند مسألة “الجدية” فقط، بل تتجاوزها إلى استخدام القوة العسكرية كوسيلة لتحسين شروط التفاوض. فموسكو، عملياً، تقول إنها تدخل المفاوضات من موقع المبادرة الميدانية، لا من موقع الدفاع أو الحاجة.
هندسة تفاوض معقدة… ومجموعات عمل بدل طاولة واحدة
رستم أوميروف، رئيس الوفد الأوكراني إلى أبوظبي، أوضح – بحسب لوموند – أن المفاوضات ستجري عبر مجموعات عمل منفصلة، تعالج ملفات محددة، على أن تُجمع نتائجها لاحقاً في صيغة موحدة للمواقف.
هذا الشكل التفاوضي يعكس إدراكاً مسبقاً لحجم التباينات، وصعوبة حسم الملفات الجوهرية في جلسات عامة مباشرة، خاصة في ظل انعدام الثقة بين الطرفين، واستمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع المسار السياسي.
ما الذي يناقَش فعلياً في أبوظبي؟
اجتماع الأربعاء في أبوظبي يُعد امتداداً لجولة محادثات جرت في يناير بين روسيا وأوكرانيا، بمشاركة الولايات المتحدة. والهدف المعلن، وفق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، هو «إنهاء الحرب».
لكن خلف هذا الشعار الواسع، تختبئ مفاوضات شديدة التعقيد، تتصدرها مسألة الأراضي وخطوط السيطرة.
تلخص الصحافة الفرنسية جوهر الخلاف بوضوح:
موسكو تطالب بانسحاب القوات الأوكرانية من المناطق التي لا تزال كييف تسيطر عليها في إقليم دونيتسك، بينما تضغط أوكرانيا من أجل وقف إطلاق النار على خط التماس الحالي وتجميد الجبهة.
المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، عبّر عن الموقف الروسي بلهجة لا لبس فيها حين قال: «طالما لم يتخذ نظام كييف القرار المناسب، ستستمر العملية العسكرية الخاصة».
بعبارة أخرى، لا ترى موسكو في وقف إطلاق النار مدخلاً بحد ذاته، بل نتيجة سياسية مشروطة بتنازلات ميدانية مسبقة من الجانب الأوكراني.
الأراضي… العقدة التي لا يمكن تجاوزها
تشير صحيفة لومانيتي إلى أن الوفد الروسي، بحسب المعطيات المتداولة، تراجع عن المطالبة بأجزاء من منطقتي خيرسون وزابوريزهيا التي لا تقع فعلياً تحت السيطرة الروسية.
هذا التراجع النسبي يوحي بمرونة تكتيكية، لكنه لا يغيّر من حقيقة أن جوهر النزاع يتركز اليوم في الشرق الأوكراني، ولا سيما في دونيتسك.
ووفق لو فيغارو، تعتبر كييف أن أي انسحاب من هذه المناطق غير قابل للنقاش، ليس فقط لأسباب سيادية، بل لأن عشرات الآلاف من الجنود الأوكرانيين سقطوا دفاعاً عنها. كما ترى القيادة الأوكرانية أن خسارة هذه الجبهة ستفتح فجوة استراتيجية خطيرة أمام أي هجوم روسي لاحق.
من منظور عسكري بحت، تمثل هذه المناطق عمقاً دفاعياً أساسياً، وفقدانها يعني عملياً تقليص قدرة أوكرانيا على المناورة الميدانية مستقبلاً.
مسار موازٍ بدون موسكو… ورقة ضغط غربية
إلى جانب المفاوضات الثلاثية بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة، كشفت فايننشال تايمز عن العمل على خطة أخرى وُضعت بين الأوروبيين والأمريكيين، من دون إشراك روسيا.
هذه الخطة تقوم على مبدأ الرد السريع على أي خرق لوقف إطلاق النار، خلال 24 ساعة، بدءاً بإجراءات دبلوماسية، ثم بالانتقال إلى دعم مباشر إضافي للجيش الأوكراني.
وتوضح صحيفة لا ديبيش أن المرحلة التالية، في حال استمرار الانتهاكات، قد تشمل نشر قوات من «تحالف الراغبين» على الأرض.
هذا المسار الموازي لا يهدف فقط إلى ضبط أي اتفاق محتمل، بل يشكل أيضاً أداة ضغط مسبقة على موسكو، عبر التلويح بترتيبات أمنية غربية قد تتحول لاحقاً إلى واقع ميداني.
غير أن هذه المقاربة تحمل في الوقت ذاته مخاطر تصعيد، إذ ترى روسيا في أي وجود عسكري غربي مباشر تهديداً استراتيجياً يتجاوز الملف الأوكراني ذاته.
أوروبا تحاول تثبيت حضورها السياسي
على الصعيد الأوروبي، أعلنت لو فيغارو أن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ستتوجه إلى أوكرانيا لإحياء الذكرى السنوية الرابعة لاندلاع الحرب.
كما أشارت الصحيفة إلى أن مؤتمراً دولياً لإعادة إعمار أوكرانيا سيُعقد في يونيو المقبل في مدينة غدانسك شمال بولندا، بمبادرة من رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك.
ورغم الطابع الاقتصادي والإنساني المعلن لهذا المؤتمر، إلا أن توقيته يحمل دلالة سياسية واضحة: أوروبا تريد أن تؤكد أنها ليست مجرد ممول للحرب، بل شريك في رسم ملامح ما بعد الحرب، مهما كان شكل التسوية المقبلة.
بين ضغط السلاح وحدود التسوية
في المحصلة، تكشف تطورات الساعات التي سبقت محادثات أبوظبي عن معادلة مألوفة في هذا النزاع: كلما اقتربت السياسة من الطاولة، سارع السلاح إلى رفع صوته.
الضربات على منشآت الطاقة، والرسائل المتقاطعة بين موسكو والناتو، والتوازي بين مسارين تفاوضيين أحدهما يضم روسيا والآخر يستبعدها، تعكس أن الطريق نحو وقف دائم لإطلاق النار لا يزال طويلاً ومليئاً بالألغام.
ورغم كل الحديث عن «إنهاء الحرب»، يبدو أن أقصى ما يمكن أن تنتجه جولة أبوظبي، في أفضل السيناريوهات، هو تثبيت خطوط الاشتباك وإدارة النزاع، لا إنهاؤه.
فالخلاف على الأرض، وحدود السيطرة، والضمانات الأمنية المستقبلية، لا تزال أكبر بكثير من قدرة الوسطاء على اختزالها في اتفاق سريع، مهما تعددت العواصم التي تستضيف المفاوضات.






