أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية إلى صدارة النقاش السياسي، حين قال في خطابه السنوي إن طهران تطوّر صواريخ بعيدة المدى “قادرة قريباً على الوصول إلى الأراضي الأميركية”. تصريح أثار جدلاً فورياً في الأوساط الأمنية، في ظل غياب معطيات علنية تدعم هذا التقييم.
التوقيت ليس عابراً. فالولايات المتحدة وإيران تخوضان منذ أسابيع مفاوضات حساسة حول البرنامج النووي الإيراني، في محاولة لتجنب تصعيد جديد بعد الضربات الأميركية التي استهدفت مواقع إيرانية العام الماضي.
تقديرات استخباراتية أكثر تحفظاً
خبراء عسكريون ومسؤولون مطلعون يشيرون إلى أن إيران لا تمتلك حالياً صواريخ عابرة للقارات قادرة على بلوغ الولايات المتحدة. تقرير سابق لوكالة استخبارات الدفاع الأميركية قدّر أن تطوير مثل هذه القدرة قد يستغرق حتى عام 2035.
مصادر أخرى نقلت تقديرات مماثلة، معتبرة أن طهران تحتاج إلى سنوات إضافية — وربما دعماً خارجياً — لتطوير منظومة عملياتية متكاملة لصاروخ عابر للقارات.
هذا التباين بين الخطاب السياسي والتقييمات الفنية يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كان الرئيس يستند إلى معلومات استخباراتية غير معلنة، أم أنه يضخم التهديد لأهداف سياسية.
قوة إقليمية… لا عابرة للقارات
لا خلاف على أن إيران تمتلك واحدة من أكبر الترسانات الصاروخية في الشرق الأوسط، تضم صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى يقدّر عددها بالآلاف. هذه الصواريخ قادرة على إصابة أهداف في إسرائيل والخليج وأجزاء من أوروبا، وتشكل عنصراً أساسياً في استراتيجية الردع الإيرانية.
لكن الفارق كبير بين امتلاك قدرة إقليمية فعالة، وبين تطوير صاروخ عابر للقارات قادر على بلوغ الأراضي الأميركية.
إيران من جانبها تؤكد أنها حدّدت مدى صواريخها بأقل من ألفي كيلومتر، وتصر على أن برنامجها دفاعي بحت. في المقابل، ترى واشنطن أن رفض طهران إدراج ملف الصواريخ في المفاوضات يمثل عقبة جوهرية.
ذاكرة العراق تعود إلى الواجهة
بعض المراقبين قارنوا الخطاب الحالي بما حدث قبل غزو العراق عام 2003، حين استُخدمت تقديرات استخباراتية مثيرة للجدل لتبرير التحرك العسكري. ورغم اختلاف السياقات، فإن الحساسية تجاه تضخيم التهديدات في ملفات الأمن القومي لا تزال حاضرة بقوة داخل المؤسسة السياسية الأميركية.
مفاوضات جارية… ورسائل ضغط
في الوقت ذاته، تشير التصريحات الإيرانية إلى تقدم في المحادثات النووية، مع توقع جولة جديدة قريباً. هذا التوازي بين الحديث عن التهديد الصاروخي واستمرار التفاوض يعكس استراتيجية ضغط متبادل: واشنطن ترفع سقف التحذير، وطهران تلوّح بقدراتها الدفاعية مع إبقاء باب الحوار مفتوحاً.
بين التقدير الاستخباراتي والحسابات السياسية
الجدل الدائر لا يتعلق فقط بمدى الصواريخ الإيرانية، بل بكيفية توظيف هذا الملف في لحظة تفاوض حساسة. فبين تقييمات استخباراتية حذرة وخطاب سياسي أكثر حدة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام قراءة مختلفة للمعطيات، أم أمام تصعيد محسوب يراد منه تحسين شروط التفاوض؟
حتى الآن، لا تشير الوقائع المعلنة إلى خطر وشيك عابر للقارات، لكن الملف الصاروخي يظل ورقة ضغط ثقيلة في معادلة أمن إقليمي معقدة.






