أعلنت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتدى دافوس إطلاق “مجلس السلام” بوصفه امتدادا موسعا لخطة واشنطن بشأن غزة، في خطوة رأت فيها هاجر عوارجي، مديرة الأبحاث والدراسات في معهد “إيريس” والمتخصصة في السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط، محاولة لإعادة هندسة إطار إدارة الصراع تحت عنوان “السلام والاستقرار”، مع ما يحمله ذلك من أسئلة حول شرعية الهيئة الجديدة، وحدود ولايتها، وطبيعة علاقتها بالأمم المتحدة.
من خطة غزة إلى مجلس السلام
ترى عوارجي أن ذكر “مجلس السلام” ظهر لأول مرة في سياق خطة من عشرين بندا طرحتها إدارة ترامب لتهدئة الصراع بين إسرائيل وقطاع غزة، واعتبرت أن هذه الخطة ركزت على ملفات محددة، من بينها استعادة الرهائن الإسرائيليين ونزع سلاح حماس، في مقابل استبعاد قيام دولة فلسطينية ذات سيادة وجعلها احتمالا بعيد المنال. وتضيف أن الترويج للخطة ترافق مع ترتيبات سياسية وإعلامية ذات طابع احتفالي، ما منحها زخما شكليا، دون أن ينعكس ذلك على التزام فعلي بكل بنودها على الأرض.
وقف إطلاق نار بلا مضمون تنفيذي
تعتبر عوارجي أن المرحلة الأولى من الخطة نُفذت جزئيا فقط، إذ تراجع الجيش الإسرائيلي ميدانيا ضمن ترتيبات محدودة، فيما لم تُحترم التعهدات المتعلقة بإدخال المساعدات الإنسانية، بل جرى تقليصها بصورة واضحة. وترى أن استعادة الرهائن كانت العنصر الوحيد الذي تحقق بصورة كاملة، مضيفة أن استمرار سقوط الضحايا خلال فترة “التهدئة” يفرغ مفهوم وقف إطلاق النار من مضمونه العملي، ويجعل الحديث عن استقرار فعلي أمرا محل تشكيك.
شرعية أممية مُلتبسة ومحاولة منافسة الأمم المتحدة
ترى مديرة الأبحاث في “إيريس” أن القرار الأممي الذي أُدرجت فيه خطة ترامب بوصفها ملحقا منح غطاء سياسيا أوليا لفكرة مجلس السلام بوصفه إدارة انتقالية لإعادة إعمار غزة، لكنها تعتبر أن الصيغة التي قُدمت لاحقا في دافوس توسعت إلى حد يتجاوز هذا التفويض، دون أي إشارة واضحة إلى الفلسطينيين. وتضيف أن الخطاب الأميركي المصاحب لتأسيس المجلس يتضمن انتقادا صريحا للأمم المتحدة والتشكيك في قدرتها على إدارة الأزمات، معتبرة أن ذلك يشي بمحاولة الالتفاف على الأطر الأممية القائمة ومنافستها بدل العمل ضمنها، مع تجاهل دور الفيتو الأميركي نفسه في تعطيل قرارات سابقة لمجلس الأمن.
بنية مؤسسية بسلطات واسعة للرئيس
تلفت عوارجي إلى أن ميثاق مجلس السلام يمنح الرئيس الأميركي سلطات استثنائية، من بينها إنشاء كيانات فرعية أو حلها بقرار فردي، مع استمرار رئاسته للمجلس حتى بعد انتهاء ولايته، وإمكانية تعيين خلف له. وتضيف أن تركيبة المجلس تجمع ممثلين عن دول أعضاء بمدد عضوية قابلة للتجديد، مع منح مقاعد دائمة للدول التي تقدم مساهمات مالية كبيرة، ما يكرس منطق “التمويل مقابل النفوذ” داخل الهيئة الجديدة.
مجلس تنفيذي بنفوذ سياسي واقتصادي متداخل
تضيف عوارجي أن المجلس التنفيذي المكلّف بتنفيذ رؤية مجلس السلام يضم شخصيات سياسية ومالية دولية ذات ثقل، وأن توزيع الملفات بين أعضائه يشمل إعادة الإعمار والاستثمار وبناء القدرات الإدارية والعلاقات الإقليمية. وترى أن تداخل المصالح الخاصة والمالية مع ملفات إعادة إعمار غزة يثير تساؤلات جدية حول الشفافية والحوكمة وخطر تضارب المصالح، خصوصا في ظل قرب بعض الأسماء من دوائر القرار الأميركية وشركات استثمار كبرى.
غياب الفلسطينيين وتجريد القضية من بعدها السياسي
تعتبر عوارجي أن غياب أي تمثيل فلسطيني عن مجلس السلام ومجلسه التنفيذي يعكس توجها لتجريد القضية الفلسطينية من بعدها السياسي وحصرها في إدارة تقنية للشؤون اليومية عبر لجنة خبراء. وتضيف أن هذه المقاربة تُفرغ فكرة “الإدارة الوطنية” من مضمونها السيادي، وتحول الفلسطينيين إلى طرف منفذ لإدارة الخدمات تحت وصاية دولية، بدل كونهم شركاء في تحديد مستقبلهم السياسي.
مجالس موازية وإشكالات تضارب المصالح
تضيف مديرة الأبحاث أن الإعلان عن مجلس تنفيذي خاص بغزة، بتشكيلة تتداخل جزئيا مع المجلس التنفيذي لمجلس السلام، يعمّق الإشكال المؤسسي ويزيد من مخاطر تضارب المصالح، خاصة مع حضور شخصيات استثمارية كبرى في ملفات إعادة الإعمار والتطوير العمراني. وترى أن تقديم “مخططات رئيسية” لإعادة بناء غزة في محافل اقتصادية عالمية يفتح الباب أمام مقاربة استثمارية قد تتقدم على الاعتبارات الإنسانية والسياسية.
قوة استقرار دولية بصيغة أمنية موسعة
توضح عوارجي أن الخطة والقرار الأممي المصاحب لها تضمنا إنشاء قوة استقرار دولية مكلفة بمهام أمنية تشمل نزع السلاح وحماية المدنيين وتدريب الشرطة الفلسطينية، وتضيف أن تعيين قيادة عسكرية أميركية لهذه القوة ومشاركة دول مثل إندونيسيا بقوات كبيرة يعكسان اتجاها نحو إدارة أمنية دولية لغزة، ما يطرح تساؤلات حول حدود التفويض، ومدى توافق ذلك مع السيادة الفلسطينية وحقوق السكان المحليين.
حضور أوروبي محدود ومشاركة بصفة مراقب
ترى عوارجي أن فتور انخراط الدول الأوروبية في مجلس السلام، مقابل مشاركة بعض ممثلي الاتحاد الأوروبي بصفة مراقبين، يعكس حذرا أوروبيا من الانخراط الكامل في هيئة يُنظر إليها على أنها أميركية التصميم والقيادة. وتضيف أن هذا الحضور المحدود يعكس ترددا في منح شرعية سياسية كاملة لإطار جديد ينافس المنظومة الأممية دون توافق دولي واسع.
وتخلص عوارجي إلى أن الإطار الذي قُدّم تحت مسمى “مجلس السلام” لا ينفصل عن منطق إدارة الصراع أكثر مما يعكس سعيا لتفكيكه، إذ تتداخل فيه الاعتبارات السياسية مع رهانات إعادة الإعمار والاستثمار، وتُدار ترتيباته الأمنية من خارج الفاعلين المحليين. في هذه الصيغة، يبدو تغييب التمثيل الفلسطيني جزءا من هندسة مؤسسية أوسع، تطرح إشكالات تتجاوز الشكل إلى جوهر الشرعية ومن يملك حق تقرير مسار ما بعد الحرب.
.






