في تطور جديد يسلط الضوء على واحدة من أكثر الملفات الدولية تعقيداً، كشفت تقارير صحفية اجنبية أن مسار التفاهم بين طهران وواشنطن يشهد تقدماً حذراً، وسط إشارات متباينة من داخل النظام الإيراني نفسه، وتحديداً من دوائر السلطة العليا والمؤسسات الأمنية.
وبحسب ما نقلته صحيفة “نيويورك تايمز”، عن مسؤول أميركي، فإن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي أبدى ارتياحاً أولياً تجاه صيغة الاتفاق المطروح مع الولايات المتحدة، دون أن يمنح حتى الآن موافقة نهائية أو إعلان دعم مباشر، وهو ما يبقي الملف مفتوحاً على كل الاحتمالات.
إشارات إيجابية من المرشد
وكشفت التسريبات الأميركية أن وسطاء مدنيين وعسكريين إيرانيين نقلوا إلى واشنطن مؤشرات تفيد بأن المرشد الأعلى ينظر بإيجابية إلى مسار التفاوض الحالي، باعتباره خطوة قد تخفف التوتر المتصاعد بين البلدين.
لكن في المقابل ورغم اقتناع خامنئي، لا يزال الصمت الرسمي من جانب القيادة الإيرانية حول الموافقة النهائية يمثل نقطة غموض رئيسية، خصوصاً أن أي قرار في هذا الملف يخضع لتوازنات داخلية معقدة داخل مؤسسات الحكم في طهران.
ويرى خبراء أن هذا التردد لا يعكس رفضاً مباشراً، بقدر ما يعكس محاولة إدارة دقيقة للتوازن بين الضغوط الاقتصادية والعقوبات الغربية من جهة، والحسابات الأمنية والسياسية الداخلية من جهة أخرى.
اتفاق مبدئي مؤجل التفاصيل الثقيلة
وبحسب التقرير، فإن التصور الأولي للاتفاق يركز على وقف التصعيد وتهيئة مسار تفاوضي جديد بين الطرفين، مع تأجيل الملفات الأكثر حساسية، وعلى رأسها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران.
وتشير المعطيات إلى أن المرحلة الحالية لا تتضمن مكاسب اقتصادية فورية لإيران بمجرد التوقيع، إذ تربط واشنطن أي تخفيف للعقوبات أو دعم مالي بتنفيذ خطوات عملية ومحددة من الجانب الإيراني.
كما أوضح المسؤول الأميركي أن أي تقدم في ملف تخصيب اليورانيوم أو تفكيك بعض المنشآت النووية سيقابله تدريجياً تقديم حوافز اقتصادية، في إطار سياسة “الخطوة مقابل الخطوة”.
عقبة داخلية.. الحرس الثوري في قلب المشهد
وفي المقابل، كشفت تقارير نشرتها “وول ستريت جورنال”، أن العقبة الأبرز أمام الاتفاق لا تأتي من الخارج فقط، بل من داخل البنية الأمنية الإيرانية نفسها، حيث لا يزال الحرس الثوري الإيراني غير مقتنع بالصيغة المطروحة حتى الآن.
وبحسب الصحيفة، فإن هذا الرفض أو التحفظ داخل الدوائر العسكرية والأمنية قد يشكل عاملاً حاسماً في تعطيل أو تعديل الاتفاق، نظراً للنفوذ الكبير الذي يتمتع به الحرس الثوري في صناعة القرار الإيراني، خاصة في الملفات الاستراتيجية.
ويشير محللون إلى أن أي اتفاق لا يحظى بتوافق داخلي واسع في طهران قد يواجه صعوبات في التنفيذ، حتى لو تم التوصل إليه على المستوى السياسي.
عراقجي: الاتفاق على مرحلتين
من جانبه، أوضح الدبلوماسي الإيراني عباس عراقجي أن التفاهم الجاري يقوم على مرحلتين أساسيتين؛ الأولى تتعلق بتوقيع مذكرة تفاهم بين إيران والولايات المتحدة، بينما تشمل الثانية التوصل إلى اتفاق شامل ومستدام يتناول الملفات العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية.
وأكد عراقجي أن النص الحالي لا يزال قيد النقاش وقابلاً للتعديل، مشيراً إلى أن إيران ترى في هذا المسار فرصة لإعادة ضبط العلاقة مع واشنطن وفق قواعد جديدة، بعد سنوات من التوتر المتصاعد.
وأضاف أن طهران تعتبر أن موقعها التفاوضي تحسن مقارنة بالمراحل السابقة، وهو ما يمنحها مساحة أوسع في إدارة الشروط المطروحة.
الخارجية الإيرانية: معظم النص شبه مكتمل
وفي السياق ذاته، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن الجزء الأكبر من مسودة الاتفاق بات شبه مكتمل، لكنه اتهم واشنطن بإعادة تغيير مواقفها ومتطلباتها خلال جولات التفاوض، ما أدى إلى إبطاء التقدم في بعض المراحل.
وأكد بقائي أن إيران دخلت المفاوضات “بحسن نية”، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل أي شروط تمس مصالحها الأساسية أو تفرض عليها التزامات غير متوازنة، وفق تعبيره.
وتعكس المعطيات الحالية مشهداً تفاوضياً معقداً، تتحرك فيه الأطراف بين رغبة في خفض التصعيد من جهة، وحذر شديد من تقديم تنازلات استراتيجية من جهة أخرى.
فبينما تبدو المؤشرات السياسية من بعض الدوائر الإيرانية أقرب إلى الانفتاح، يبقى موقف المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعلى رأسها الحرس الثوري، العامل الأكثر حسماً في تحديد مصير الاتفاق.
وفي ظل هذا التباين، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح واشنطن وطهران في تحويل “التفاهم المبدئي” إلى اتفاق شامل، أم أن الانقسام الداخلي في إيران سيعيد الملف إلى نقطة البداية من جديد؟




