يقف العراق اليوم عند مفترق طرق دقيق في علاقته مع التحالف الدولي، فبينما تعلن بغداد المضي قدماً في إعادة ترتيب تلك العلاقة بما ينسجم مع متطلبات السيادة الوطنية، تؤكد في الوقت ذاته أن هذه الخطوة لا تعني القطيعة مع المجتمع الدولي، بل البحث عن صيغة جديدة توازن بين الشراكة الأمنية والاستقلالية الوطنية، في ظل متغيرات سياسية وأمنية تختلف تماماً عن مرحلة ما بعد اجتياح تنظيم داعش عام 2014.
وأكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن خطوة حكومته لإعادة ترتيب العلاقة مع التحالف الدولي “لا تعني القطيعة مع المجتمع الدولي”، مشيراً إلى أن ظروف العراق الحالية تختلف جذرياً عما كانت عليه عام 2014.
وشدد على أن المسؤولية الوطنية تفرض على الحكومة الحفاظ على مصالح العراق والعراقيين، والابتعاد عن أي انزلاق نحو ساحة الحرب، موضحاً أن التنمية الاقتصادية والسياسية لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل الأمن والاستقرار.
في الوقت نفسه، دعا السوداني القوى السياسية العراقية إلى التعامل مع هذا الملف بعيداً عن الحسابات الضيقة، مؤكداً أن مستقبل البلاد يجب أن يُبنى على رؤية وطنية متكاملة، وليس على تناقضات داخلية قد تعرقل المسار الإصلاحي.
أسس الاستقرار: سيادة القانون وحصر السلاح بيد الدولة
السوداني لفت إلى أن الحكومة تعمل على تكريس سيادة القانون، وحصر السلاح بيد الدولة، واحترام مؤسساتها، والحفاظ على القرار الوطني المستقل، إلى جانب مكافحة الفساد.
واعتبر أن هذه العناصر تمثل الضمانة الحقيقية لمستقبل العراق واستقراره، بما يقطع الطريق أمام أي محاولات لإعادة إنتاج الفوضى أو تغلغل التنظيمات المسلحة.
ويرى مراقبون أن نجاح هذه الأسس مرتبط بقدرة الدولة على تحييد نفوذ الجماعات المسلحة، التي ما زالت تمثل تحدياً أمام استكمال بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية العراقية.
إنهاء المهام الأميركية وفق الاتفاق
من جهته، أوضح مستشار رئيس الوزراء حسين علاوي أن إنهاء مهام القوات الأميركية يسير وفق الاتفاق المبرم بين بغداد وواشنطن، مؤكداً أنه “لا مخاوف من عودة تنظيم داعش”، إذ إن القوات العراقية باتت قادرة على ملاحقة بقايا التنظيم.
وأشار إلى أن إنهاء الوجود العسكري الأجنبي كان مقرراً منذ عام 2017، لكن الحكومات السابقة لم تتمكن من تطبيقه، حتى جرى تثبيته في عهد السوداني.
كما شدد علاوي على أن هذا المسار يجري بالتنسيق الكامل مع الشركاء الدوليين، لضمان عدم وجود أي فراغ أمني يمكن أن تستفيد منه التنظيمات الإرهابية في الداخل أو على الحدود العراقية السورية.
استمرار التعاون الدفاعي مع التحالف
رغم خطوات الانسحاب، بيّن علاوي أن العلاقات الدفاعية بين العراق ودول التحالف الدولي ستستمر، لافتاً إلى أن التعاون الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة ما زال قائماً ومتقدماً على مختلف المستويات.
وبحسب الاتفاق بين بغداد وواشنطن في 2024، تحتفظ الولايات المتحدة ببعض قواتها في إقليم كردستان لعام إضافي، فيما تستمر المرحلة الأولى من الانسحاب حتى سبتمبر 2025، على أن تكتمل المرحلة الثانية في 2026.
وفي هذا السياق، يؤكد خبراء أن العراق يسعى لإعادة تعريف هذه العلاقات على أساس المصالح المشتركة، لا سيما في مجالات التدريب العسكري، والتبادل الاستخباري، ودعم قدرات القوات الجوية العراقية.
جدل داخلي بين الفصائل والحكومة
يُذكر أن نحو 2500 جندي أميركي ما زالوا يتمركزون في العراق ضمن مهمة تدريبية واستشارية للقوات العراقية، بعد تقليص العدد عقب هزيمة تنظيم داعش في 2017.
غير أن هذا التواجد يثير اعتراضات بعض الفصائل المسلحة والأحزاب الموالية لإيران، ما دفع الحكومة العراقية إلى عقد سلسلة اجتماعات مع الجانب الأميركي لبحث ترتيبات الانسحاب وتثبيت إطار جديد للتعاون.
ويشير محللون إلى أن التحدي الحقيقي أمام الحكومة يتمثل في تحقيق التوازن بين مطالب القوى الداخلية الرافضة لبقاء القوات الأجنبية، والحاجة العملية إلى استمرار التعاون الدولي في ملفات حساسة مثل مكافحة الإرهاب وأمن الحدود.






