أعلنت الولايات المتحدة استعدادها للانخراط في محادثات مع كوريا الشمالية، في إشارة جديدة إلى إمكانية إحياء المسار الدبلوماسي المتعثر منذ سنوات. وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قال بوضوح إن واشنطن “مستعدة دائماً للتحدث” مع أي حكومة ترغب في تبادل وجهات النظر، مضيفاً أن الأمر قد يشمل “في يوم ما كوريا الشمالية”.
التصريح الأميركي يأتي في توقيت حساس، بالتوازي مع مؤشرات صادرة من بيونغ يانغ توحي بأن الباب لم يُغلق تماماً أمام التواصل مع واشنطن — لكن بشروط مختلفة تماماً عن الماضي.
كيم: العلاقة مرهونة بموقف واشنطن
الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون أشار إلى أن بلاده يمكنها “التعامل بشكل جيد” مع الولايات المتحدة إذا تخلت عن ما يسميه “السياسة العدائية”. لكنه في الوقت نفسه شدد على أن مستقبل العلاقة يعتمد بالكامل على الموقف الأميركي، ملوّحاً بردود “مماثلة” في حال اختارت واشنطن المواجهة.
هذه الرسائل المزدوجة تعكس أسلوب بيونغ يانغ التقليدي: ترك باب التفاوض موارباً، مع تثبيت معادلة ردع واضحة تقوم على الاعتراف بكوريا الشمالية كدولة نووية.
استعراض قوة… ورسالة تفاوض
بالتوازي مع هذه التصريحات، نظمت بيونغ يانغ عرضاً عسكرياً واسعاً عقب مؤتمر نادر للحزب الحاكم، أعاد فيه كيم التأكيد على أن بلاده ستواصل توسيع ترسانتها النووية وتطوير “أصول استراتيجية سرية”.
الرسالة بدت واضحة: أي عودة إلى المفاوضات لن تكون من موقع الضعف. فخلال السنوات الست الماضية، تغيرت موازين القوة. بيونغ يانغ طورت صواريخ عابرة للقارات تعمل بالوقود الصلب، وعززت قدراتها النووية التكتيكية، ووسعت نطاق عملياتها في الفضاء السيبراني.
واقع مختلف عن مرحلة ترامب الأولى
الحديث عن احتمال لقاء جديد بين كيم والرئيس الأميركي دونالد ترامب يعيد إلى الأذهان مشهد المصافحات التاريخية بين الرجلين. لكن السياق اليوم مختلف.
العقوبات الدولية لم تعد تضغط بالزخم ذاته، والعلاقة المتنامية بين بيونغ يانغ وموسكو وفّرت للنظام متنفساً اقتصادياً وعسكرياً. هذا التحول يمنح كيم هامشاً أوسع للمناورة ويجعل مطلب نزع السلاح النووي الكامل أكثر بعداً من أي وقت مضى.
سيول خارج الحسابات؟
في المقابل، شدد كيم لهجته تجاه كوريا الجنوبية، واصفاً إياها بـ“الكيان الأكثر عدائية”، ومؤكداً أن بلاده لا ترى جدوى من الحوار معها. هذا التباين يعكس أولوية بيونغ يانغ في التعامل مباشرة مع واشنطن، باعتبارها الطرف القادر على تقديم تنازلات استراتيجية، لا سيول.
حوار بشروط جديدة
الاستعداد الأميركي للحوار لا يعني عودة سهلة إلى مسار القمم التاريخية. فبيونغ يانغ تدخل أي مفاوضات مقبلة وهي أكثر تسليحاً وثقة بقدراتها، وأقل استعداداً لتقديم تنازلات جوهرية بشأن برنامجها النووي.
في المقابل، تبدو واشنطن راغبة في اختبار نافذة دبلوماسية جديدة، لكنها تدرك أن قواعد اللعبة تغيرت. السؤال لم يعد ما إذا كان الطرفان سيتحدثان، بل تحت أي شروط — ومن سيحدد سقف التفاوض هذه المرة.






