أفادت وكالة “رويترز”، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وافقت على صرف الحزمة الأولى من المساعدات العسكرية الموجهة لأوكرانيا، على أن يتم تمويلها بالكامل من قبل حلفاء واشنطن في حلف شمال الأطلسي. ووفق الوكالة، صادق نائب وزير الدفاع الأمريكي إلبريدج كولبي على دفعتين من الأسلحة بقيمة إجمالية تصل إلى 500 مليون دولار، وذلك ضمن آلية جديدة أُطلق عليها اسم “قائمة الاحتياجات ذات الأولوية”. وتأتي هذه الخطوة بعد إعلان وزير الدفاع الأوكراني، دينيس شميغال، في أوائل أغسطس/آب عن تدشين مبادرة مشتركة بين الولايات المتحدة وحلف الناتو تحت مسمى “PURL”، وهي آلية تهدف إلى ضمان تسليم سريع للأسلحة عبر مساهمات طوعية من الدول الأعضاء.
موقف واشنطن: الانسحاب المالي المباشر والاعتماد على أوروبا
ترامب كان قد صرّح في أكثر من مناسبة أن بلاده لم تعد تتحمل تكاليف المساعدات العسكرية لكييف بشكل مباشر، وأن واشنطن لن تزود أوكرانيا بالسلاح من مخزونها الخاص كما جرى في سنوات الحرب الأولى. وفي تصريحات سابقة بتاريخ 14 يوليو/تموز، أوضح أن الإدارة الأمريكية قررت مواصلة عملية نقل الأسلحة والمعدات إلى كييف شرط أن تتحمل الدول الأوروبية كلفة هذه الشحنات بالكامل. وبهذا، تضع الولايات المتحدة عبء التمويل على حلفائها الأوروبيين، بينما تحتفظ بدور التنسيق والقيادة عبر الناتو. هذا الترتيب يعكس تحوّلاً في مقاربة واشنطن، إذ لم تعد المساعدات لأوكرانيا مسألة أمريكية بحتة، بل التزاماً أوروبياً تحت إشراف أمريكي.
موسكو: المساعدات تطيل أمد الحرب
من جانبها، واصلت روسيا التعبير عن رفضها لهذه السياسات. فقد شددت موسكو مراراً على أن تدفق الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا، إلى جانب مساهمة خبراء الناتو في تدريب الجنود الأوكرانيين، لا يغير التوازن على الأرض، بل يطيل أمد النزاع ويزيد من معاناة المدنيين. الموقف الروسي يندرج ضمن سردية متكررة ترى أن الغرب يسعى إلى تحويل أوكرانيا إلى “ساحة مواجهة طويلة الأمد” مع موسكو، من دون أن يملك استراتيجية حقيقية لإنهاء الحرب عبر تسوية سياسية.
قراءة أوسع: تحوّل في معادلة الدعم
المراقبون يرون أن الاتفاق الجديد يعكس تحوّلاً في إدارة الحرب الأوكرانية. ففي الوقت الذي تريد فيه واشنطن الحفاظ على نفوذها الاستراتيجي في النزاع، فإنها تحاول تقليص كلفة الانخراط المباشر، سواء أمام الرأي العام الداخلي أو أمام أزماتها المالية المتصاعدة. أوروبا، بالمقابل، تجد نفسها أمام مسؤولية أكبر في تمويل الحرب، خصوصاً أن أمنها الجيوسياسي مرتبط مباشرة بنتائج الصراع. هذا التحول قد يعزز دور الناتو كمنصة تنسيق عسكرية–مالية، لكنه يطرح في الوقت ذاته أسئلة حول مدى استعداد العواصم الأوروبية للاستمرار في تحمل عبء طويل الأمد، في ظل ضغوط اقتصادية داخلية وتململ شعبي من ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الحرب.
أوكرانيا بين الحاجة للدعم ومخاطر الاعتماد
بالنسبة لأوكرانيا، يمثّل الاتفاق بارقة أمل لاستمرار تدفق السلاح الذي تحتاجه لمواصلة الدفاع عن مواقعها في مواجهة القوات الروسية. غير أن الاعتماد على آلية تمويل أوروبية قد يضع كييف أمام معادلة صعبة: فبينما يضمن لها استمرار الإمدادات، يجعلها أيضاً رهينة لحسابات العواصم الأوروبية السياسية والاقتصادية. أي خلاف داخل الاتحاد الأوروبي أو داخل الناتو قد ينعكس مباشرة على حجم ونوعية الدعم المقدم. في الوقت ذاته، فإن ربط المساعدات بآلية جماعية يقلل من هامش المناورة لدى كييف في التفاوض المباشر مع واشنطن.







