في خطوة لافتة تعكس بداية تحوّل في تموضع الدولة اللبنانية الرسمي، أكدت مصادر مطّلعة أن اللجنة المكلّفة بدراسة الرد الأميركي على المقترح المتعلّق بحصرية السلاح، قطعت شوطاً كبيراً في إعداد الرد اللبناني، وسط توجّه حكومي للتعاطي الإيجابي مع الورقة الأميركية، بما يتضمّن التزاماً تدريجياً بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، بعيداً عن الشروط التي يطرحها «حزب الله».
وفيما لم يُعلن بعد بشكل رسمي مضمون الرد اللبناني، تشير التسريبات إلى أن لبنان الرسمي يسعى لتقديم موقف متمايز عن الطرح المتشدد الذي عبّر عنه نائب الأمين العام للحزب، الشيخ نعيم قاسم، خلال الأيام الماضية.
نعيم قاسم يصعّد: «سلاح المقاومة» خط أحمر
على الجانب الآخر، جاء خطاب نعيم قاسم بمثابة ردّ حازم على كل الضغوط الدولية والمحلية التي تطالب الحزب بالتخلّي عن سلاحه، إذ وصف قاسم هذه المطالب بأنها «خطر وجودي» على المقاومة.
وشدد على أن أي نقاش في استراتيجية الدفاع الوطني لا يمكن أن يبدأ إلا بعد «إزالة الخطر» المحدق بلبنان والمقاومة.
تصريحات قاسم عكست توجهاً أكثر تشدداً مما كان الحزب يبديه في السابق، حيث كان يُظهر قدراً من الليونة أو الاستعداد للدخول في حوار ضمن استراتيجية دفاعية متفق عليها. الآن، بات الخطاب أكثر حدة، ويعكس قلقاً من تغيّر المزاج الدولي وربما الإقليمي تجاه مستقبل سلاح «حزب الله».
موقف واشنطن: لا حوار بلا ضمانات واضحة
الولايات المتحدة، عبر مبعوثها توماس براك الذي التقى مسؤولين لبنانيين كبار في بيروت، وعلى رأسهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، أكدت أن أي مسار تفاوضي يجب أن يفضي إلى نتائج ملموسة، لا مجرد تعهدات نظرية.
واشنطن تربط المساعدات والدعم الدولي بإصلاحات حقيقية، وعلى رأسها إصلاح قطاع الأمن وإنهاء مظاهر ازدواجية السلاح خارج المؤسسات الرسمية.
انقسام لبناني داخلي.. ومخاوف من مواجهة مؤجلة
الانقسام اللبناني حول هذه القضية الجوهرية ليس جديداً، لكنه بات أكثر وضوحاً في المرحلة الحالية. فبينما تؤكد الحكومة، بدعم من رئيسها وعدد من القوى السياسية، على أهمية الالتزام بحصرية السلاح تحت سقف الدولة، يرى فريق «الممانعة» أن هذا المطلب يفتقر إلى الضمانات الأمنية اللازمة، ويستهدف سلاح المقاومة دون غيره.
وفي الوقت الذي تحاول فيه الدولة اللبنانية كسب الوقت واللعب على حافة التوازن بين مطالب الخارج وضغوط الداخل، تزداد المخاوف من أن تجرّ هذه التباينات البلاد نحو أزمة سياسية جديدة، قد تكون أشد من سابقاتها، خصوصاً في ظل الانهيار الاقتصادي المتواصل وحالة الجمود في مؤسسات الدولة.
بري في الوسط.. والكرة في ملعب الرئاسة
رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي استقبل الموفد الأميركي، لا يزال يحاول اللعب دور الوسيط بين المواقف المتباعدة، وهو المعروف بقربه من «حزب الله» وحرصه في الوقت نفسه على حفظ ما تبقّى من استقرار سياسي.
في المقابل، يبقى موقع رئاسة الجمهورية شاغراً، ما يفاقم من ضعف القرار السياسي اللبناني، ويجعل من الاستحقاق الرئاسي عاملاً حاسماً في أي مسار تفاوضي دولي، سواء مع واشنطن أو القوى الأوروبية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الحكومة اللبنانية لتقديم مقاربة عقلانية لحل قضية السلاح، عبر خطوات تدريجية وتفاهمات دولية، يبرز «حزب الله» كقوة رافضة لأي تنازل، معتبرًا أن سلاحه غير قابل للنقاش في ظل ما يسميه «الخطر الوجودي».
وبين تصعيد الحزب وانفتاح الدولة، يقف لبنان عند مفترق طرق سياسي وأمني بالغ الحساسية، سيحدد ملامح المرحلة المقبلة داخلياً وخارجياً.






