بعد مرور خمس سنوات على الإجراءات الاستثنائية التي أعلنها الرئيس التونسي قيس سعيد في 25 يوليو/تموز 2021، عاد الجدل حول حصيلة مشروعه السياسي، وسط تباين بين من يرى أنه أنقذ الدولة من حالة الشلل السياسي، ومن يعتبر أن التجربة انتهت إلى تركيز السلطة في يد الرئيس دون تحقيق الوعود الاقتصادية والاجتماعية التي رافقتها.
من التفويض الشعبي إلى تصاعد الانتقادات
عندما أعلن سعيّد تفعيل الفصل 80 من دستور 2014، حظيت قراراته بتأييد شعبي واسع، في ظل حالة من الغضب تجاه أداء الطبقة السياسية والبرلمان، اللذين اتُهما بالعجز عن معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
ورأى كثير من التونسيين آنذاك أن الإجراءات الاستثنائية تمثل فرصة لإنهاء سنوات من الانقسام السياسي والفساد، وإطلاق مسار جديد يحقق الاستقرار والإصلاح.
لكن بعد خمس سنوات، يرى منتقدو الرئيس أن تلك الآمال لم تتحول إلى إصلاحات ملموسة، في ظل استمرار الصعوبات الاقتصادية وتراجع المشاركة السياسية.
مشروع “البناء الجديد”
قدم قيس سعيّد مشروعًا سياسيًا يقوم على إعادة صياغة النظام السياسي، عبر تعزيز دور المجالس المحلية والتمثيل القاعدي، والحد من نفوذ الأحزاب السياسية التقليدية، باعتبارها مسؤولة عن تعثر المرحلة الانتقالية بعد عام 2011.
وكان المشروع يستهدف، وفق رؤية الرئيس، ربط الديمقراطية بالعدالة الاجتماعية، وإعادة توزيع السلطة من القاعدة إلى المركز، إلا أن تطبيقه واجه تحديات سياسية ومؤسساتية كبيرة.
انتقادات بشأن تركيز السلطة
يعتبر معارضو سعيّد أن المسار الذي بدأ عام 2021 أدى إلى تركيز معظم السلطات التنفيذية والتشريعية بيد رئيس الجمهورية، بعد تعديل الدستور وإعادة تشكيل المؤسسات السياسية.
كما يشير المنتقدون إلى محاكمات طالت شخصيات معارضة وصحفيين ونشطاء، معتبرين أن هامش العمل السياسي وحرية التعبير أصبح أكثر ضيقًا مقارنة بالسنوات الأولى بعد الثورة.
في المقابل، تؤكد السلطات التونسية أن الإجراءات المتخذة تأتي في إطار تطبيق القانون ومكافحة الفساد وحماية مؤسسات الدولة، وترفض الاتهامات بوجود استهداف سياسي للمعارضين.
تحديات اقتصادية مستمرة
اقتصاديًا، لا تزال تونس تواجه تحديات كبيرة، تشمل ارتفاع الدين العام، وضعف الاستثمار المحلي، وتراجع القدرة الشرائية، إلى جانب ضغوط مرتبطة بالتضخم ونقص بعض السلع.
كما ساهمت موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة في زيادة الضغوط على البنية التحتية والخدمات العامة، بما في ذلك المياه والكهرباء، وهو ما انعكس على الحياة اليومية للمواطنين.
ويرى اقتصاديون أن هذه الأزمات لا ترتبط فقط بالتطورات السياسية بعد عام 2021، وإنما تمتد جذورها إلى سنوات سابقة، مع استمرار تداعيات الأزمة المالية العالمية وجائحة كورونا.
تراجع المشاركة السياسية
أظهرت الانتخابات والاستفتاءات التي جرت بعد 2021 انخفاضًا ملحوظًا في نسب المشاركة، وهو ما اعتبره محللون مؤشرًا على تراجع اهتمام جزء من الناخبين بالعملية السياسية أو فقدان الثقة في جدوى المؤسسات الجديدة.
في المقابل، يرى مؤيدو الرئيس أن المقاطعة دعت إليها قوى سياسية معارضة، وأنها لا تعكس بالضرورة رفضًا للمسار السياسي الجديد.
مستقبل التجربة التونسية
بعد خمس سنوات من التحول السياسي، لا يزال تقييم تجربة قيس سعيّد محل انقسام داخل تونس وخارجها. فبينما يرى أنصاره أنها صححت مسار الدولة وأنهت مرحلة من الاضطراب السياسي، يعتبر معارضوه أنها أضعفت التعددية السياسية دون أن تحقق التحسن الاقتصادي والاجتماعي الذي كان ينتظره التونسيون.
ومع استمرار التحديات الاقتصادية والاجتماعية، يبقى مستقبل التجربة السياسية في تونس مرتبطًا بقدرة السلطات على تحقيق إصلاحات اقتصادية فعالة، واستعادة الثقة في المؤسسات، وفتح المجال أمام حوار سياسي يساهم في تعزيز الاستقرار والتنمية.






