يرى رئيس الوزراء الروسي السابق ميخائيل كاسيانوف أن فلاديمير بوتين لا يزال مقتنعًا بإمكانية إخضاع أوكرانيا عبر حرب استنزاف طويلة، رغم الضغوط الاقتصادية المتزايدة والتكاليف البشرية والعسكرية. وبين رهانات الكرملين على إنهاك كييف والانقسامات الغربية، تتراجع فرص التسوية السريعة، فيما يظل السؤال الأهم: هل يستطيع بوتين إنهاء الحرب من دون أن يبدو مهزومًا؟
حرب تحولت إلى اختبار لمصداقية بوتين
بعد أكثر من أربع سنوات على بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير/شباط 2022، لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية على الأراضي الأوكرانية، بل تحولت إلى اختبار سياسي لمستقبل القيادة الروسية ومكانة موسكو الدولية.
وبحسب ميخائيل كاسيانوف، الذي ترأس الحكومة الروسية بين عامي 2000 و2004، فإن بوتين ارتكب خطأ استراتيجيًا عندما قرر غزو أوكرانيا، بناءً على تقديرات خاطئة بشأن قدرة الدولة الأوكرانية على المقاومة ومدى استعداد الغرب لدعمها.
وفي مقابلة مع وكالة فرانس برس، السبت، اعتبر كاسيانوف أن الرئيس الروسي لا يستطيع الاعتراف بخطئه، لأنه بنى جزءًا كبيرًا من شرعية قراره على فرضية أن الحرب ستنتهي بانتصار روسي سريع أو بإخضاع كييف لشروط موسكو.
وتكتسب هذه القراءة أهميتها من موقع صاحبها السابق داخل السلطة الروسية؛ فهو ليس مراقبًا خارجيًا فحسب، بل مسؤول سابق عمل في قلب النظام قبل أن يتحول إلى أحد أبرز منتقديه ويغادر البلاد.
ومع ذلك، تبقى تصريحاته تقييمًا سياسيًا صادرًا عن معارض للكرملين، وليست دليلًا قاطعًا على الحالة النفسية لبوتين أو على طبيعة مداولاته الداخلية.
لماذا يصعب على بوتين التراجع؟
تكمن إحدى أعقد معضلات الحرب في أن إنهاءها لا يتوقف على حسابات الميدان وحدها، بل يرتبط أيضًا بكلفة التراجع سياسيًا.
فبعد سنوات من التعبئة العسكرية، والخسائر البشرية، وتبرير الحرب باعتبارها ضرورة استراتيجية، قد يُفسَّر قبول تسوية لا تحقق الأهداف الروسية المعلنة باعتباره إخفاقًا للقيادة، خصوصًا إذا بقيت أوكرانيا مستقلة في خياراتها السياسية والأمنية.
ويعني ذلك أن بوتين يواجه معادلة صعبة: مواصلة الحرب تفرض تكاليف بشرية واقتصادية متراكمة، بينما قد يهدد التراجع غير المشروط صورته بوصفه قائدًا قادرًا على فرض إرادته.
ومن هذا المنطلق، يرى كاسيانوف أن الرئيس الروسي لا يزال مقتنعًا بإمكانية الانتصار في حرب الاستنزاف، ولذلك لا يتوقع انتهاء الحرب في عام 2027.
ولا يعني هذا التقدير أن استمرار الحرب حتى ذلك العام أمر محسوم؛ إذ تبقى مدتها مرتبطة بالتطورات العسكرية، وقدرة الطرفين على تجديد مواردهما، ومدى استمرار الدعم الغربي لأوكرانيا، وأي تغيرات في الحسابات السياسية داخل روسيا أو الدول الداعمة لكييف.
الاقتصاد الروسي.. قدرة على الصمود أم استنزاف مؤجل؟
رغم العقوبات الغربية والإنفاق العسكري المرتفع، لم يؤد الضغط الاقتصادي إلى انهيار الدولة الروسية أو إجبار الكرملين على وقف الحرب حتى الآن.
لكن استمرار القدرة على تمويل العمليات العسكرية لا يعني غياب التكاليف. فالحرب تعيد توجيه موارد مالية وبشرية واسعة نحو القطاع العسكري، وقد تزيد الضغوط على المالية العامة والأسعار والاستثمار المدني، فضلًا عن التحديات المرتبطة بنقص العمالة وارتفاع كلفة التمويل.
ويشير كاسيانوف إلى أن الروس يواجهون ارتفاعًا في الأسعار وتعبًا اجتماعيًا متزايدًا، لكنه لا يرى أن هذه الظروف تكفي وحدها لإطلاق انتفاضة داخلية ضد النظام.
وتعكس هذه النقطة إحدى الخصائص المهمة في المشهد الروسي: التدهور الاقتصادي لا يتحول تلقائيًا إلى أزمة سياسية تهدد السلطة. فقد يتكيف السكان مع انخفاض القدرة الشرائية، أو يتجنبون الاحتجاج بسبب المخاطر السياسية والأمنية، بينما تظل قدرة المعارضة على تحويل الاستياء إلى حركة منظمة محدودة.
وبالتالي، فإن الرهان على أن الضغوط المعيشية ستجبر بوتين سريعًا على إنهاء الحرب قد يكون مبالغًا فيه، ما لم تترافق مع انقسامات داخل النخبة الحاكمة أو تراجع ملموس في قدرة الدولة على تمويل المجهود العسكري.
النفط والانقسامات الغربية.. عوامل تمنح موسكو هامشًا إضافيًا
يربط كاسيانوف جانبًا من ثقة بوتين باستمرار الحرب بارتفاع أسعار النفط والتباينات بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية بشأن كيفية التعامل مع موسكو.
فارتفاع عائدات الطاقة، عندما يتحقق، قد يمنح روسيا موارد إضافية لتمويل الإنفاق العام والعسكري، ويخفف بعض الضغوط التي تفرضها العقوبات. لكن تأثير أسعار النفط يظل مرتبطًا بحجم الصادرات الروسية، والخصومات التي تتحملها، وتكاليف النقل والتأمين، وسعر الصرف، وآليات العقوبات.
أما الخلافات الغربية، فقد تؤثر في حسابات الكرملين بشأن قدرة أوكرانيا على مواصلة القتال. فإذا اعتقدت موسكو أن الدعم العسكري والمالي لكييف سيتراجع، فقد ترى أن إطالة الحرب أفضل من تقديم تنازلات الآن.
وتتمثل المشكلة بالنسبة إلى أوكرانيا في أن حرب الاستنزاف لا تُحسم فقط بعدد الجنود والأسلحة، بل بقدرة كل طرف على الحفاظ على الإمدادات، وتعويض الخسائر، وحماية بنيته التحتية، والاستمرار في تعبئة موارده الاقتصادية.
ولهذا يدعو كاسيانوف الدول الغربية إلى زيادة الضغوط على الكرملين، وإمداد أوكرانيا بصورة عاجلة بصواريخ «باتريوت» الاعتراضية، في ظل تكثيف الهجمات الروسية على البنية التحتية الأوكرانية.
هل يخشى الغرب بوتين أكثر مما ينبغي؟
يرى رئيس الوزراء الروسي السابق أن أحد أخطاء الدول الأوروبية يتمثل في المبالغة في تقدير قوة بوتين والخشية المفرطة من ردوده، خصوصًا التهديد باستخدام الأسلحة النووية.
ويعتقد كاسيانوف أن القيادة الروسية ليست بالقوة التي تظهر بها، وأن التلويح بالخيار النووي يهدف جزئيًا إلى التأثير في حسابات الغرب وردعه عن تقديم دعم عسكري أكبر لأوكرانيا.
لكن هذه الحجة تحتاج إلى قدر من التمييز. فالقول إن روسيا تواجه نقاط ضعف اقتصادية وعسكرية لا يعني أن مخاطر التصعيد النووي معدومة، كما أن التهديدات النووية لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد دعاية سياسية.
وتواجه الحكومات الأوروبية معضلة حقيقية: دعم أوكرانيا بما يكفي لردع روسيا وتحسين موقع كييف التفاوضي، مع تجنب خطوات قد تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي.
ومن ثم، فإن النقاش لا يدور حول الاختيار بين الخوف المطلق والتجاهل الكامل للمخاطر، بل حول كيفية بناء سياسة ردع تحافظ على الدعم العسكري لأوكرانيا من دون توسيع الحرب بصورة غير محسوبة.
هل يمكن أن تنتهي الحرب بتسوية؟
إذا كان كاسيانوف محقًا في أن بوتين لا يرى نفسه خاسرًا، فإن فرص التسوية السريعة تظل محدودة ما دامت القيادة الروسية تعتقد أن الوقت يعمل لمصلحتها.
لكن التسوية لا تتطلب بالضرورة اعترافًا روسيًا صريحًا بالخطأ أو إعلانًا بالهزيمة. ففي النزاعات الطويلة، قد تلجأ الأطراف إلى اتفاقات توقف القتال أو تجمد خطوط المواجهة، مع تأجيل القضايا الأكثر خلافًا إلى مفاوضات لاحقة.
ويتوقف احتمال الوصول إلى مثل هذا المسار على ثلاثة عوامل رئيسية:
-
الميدان العسكري: مدى قدرة روسيا على تحقيق مكاسب إضافية، وقدرة أوكرانيا على منع الاختراقات واستعادة الأراضي أو تثبيت خطوط الدفاع.
-
استمرار الدعم الغربي: حجم المساعدات العسكرية والمالية، وتماسك المواقف الأوروبية والأميركية، وقدرة كييف على الحفاظ على إمداداتها.
-
الحسابات السياسية الروسية: ما إذا كانت كلفة الحرب ستتجاوز المكاسب التي يتوقعها الكرملين، أو إذا ظهرت صيغة تسمح بإنهائها من دون أن تعتبرها القيادة الروسية استسلامًا.
وفي المقابل، قد يؤدي الاعتقاد بأن الطرف الآخر يقترب من الإنهاك إلى إطالة الحرب بدل إنهائها، لأن كل جانب سيعتقد أن تقديم التنازلات الآن أقل جدوى من مواصلة القتال.
حرب الاستنزاف قد تطول لأن الاعتراف بالخسارة مكلف
تسلط تصريحات ميخائيل كاسيانوف الضوء على عامل غالبًا ما يتجاوز التحليلات العسكرية والاقتصادية: صعوبة التراجع السياسي عندما تتحول الحرب إلى جزء من صورة القيادة ومصداقيتها.
فقد تستطيع روسيا مواصلة القتال رغم الضغوط، وقد تتمكن أوكرانيا من الصمود بفضل الدعم الغربي، لكن استمرار قدرة الطرفين على القتال لا يعني أن أيًا منهما يستطيع تحقيق جميع أهدافه المعلنة.
وإذا ظل الكرملين مقتنعًا بأن الزمن يعمل لمصلحته، فقد يواصل الرهان على إنهاك أوكرانيا وإضعاف تماسك داعميها. أما إذا ارتفعت كلفة الحرب وتقلصت فرص تحقيق مكاسب إضافية، فقد تصبح التسوية أكثر جاذبية، حتى من دون اعتراف روسي صريح بالخطأ.
المفارقة أن الحرب التي بدأت، وفق تقديرات موسكو الأولى، على أساس توقع انتصار سريع، قد تستمر لأن إنهاءها بات أكثر كلفة سياسيًا على من بدأها. لكن ما إذا كان هذا العامل سيطيل الحرب حتى عام 2027 أو يدفع نحو تسوية قبل ذلك، يظل رهينًا بتطورات الميدان والاقتصاد وحسابات القوى الدولية.






