في صباح اليوم الثلاثاء 21 أبريل 2026، فقدت الساحة الفنية العربية واحداً من أصلب أعمدتها وأكثرها تأثيراً. غيب الموت الفنانة القديرة حياة الفهد عن عمر يناهز 83 عاماً، بعد صراع قصير مع انتكاسة صحية مفاجئة، لترحل “سيدة الشاشة” وهي في قمة عطائها المعنوي، تاركة وراءها فراغاً لا يملؤه سوى ذكريات أعمالها التي حفرت في ذاكرة الأجيال.
اللحظات الأخيرة: صمود حتى الرمق الأخير
جاء رحيل الفنانة الكبيرة بعد أيام من القلق الذي سكن قلوب محبيها؛ حيث كشف الاتحاد الكويتي للإنتاج الفني مؤخراً عن تدهور حالتها الصحية ونقلها إلى العناية الفائقة. ورغم المحاولات الطبية الحثيثة، إلا أن مشيئة القدر كانت أسرع، لتعلن صفحتها الرسمية نعياً أبكى الملايين، واصفة إياها بالرمز الذي سيبقى خالداً في ذاكرة الأجيال.
من التمريض إلى النجومية: رحلة كفاح استثنائية
لم تكن مسيرة حياة الفهد مفروشة بالورود؛ بل كانت قصة كفاح بطلتها امرأة واجهت تحديات أسرية ومجتمعية كبرى. إليك المحطات التي صاغت أسطورة “الفهد”:
الطفولة واليتم المبكر: وُلدت عام 1948 وعاشت مرارة فقدان الأب وهي طفلة، مما دفعها لتعليم نفسها بنفسها حتى أتقنت اللغتين العربية والإنجليزية، متحدية ظروف عدم إكمال تعليمها النظامي.
التمريض و”ملاك الرحمة”: قبل الأضواء، كانت حياة الفهد تمارس مهنة التمريض في مستشفى الصباح بالكويت، وهي الفترة التي صقلت جانبها الإنساني ومنحتها القدرة على تجسيد مشاعر الألم والرحمة بصدق مذهل.
الصدفة التي غيرت التاريخ: في أروقة المستشفى، اكتشفها الفنان الراحل أبو جسوم، لتنتقل من رداء التمريض الأبيض إلى خشبة المسرح عام 1963 بمسرحية “الضحية”، لتبدأ رحلة الـ 60 عاماً من الإبداع.
تعدد المواهب: لم تحبس نفسها في إطار التمثيل فقط، بل كانت كاتبة درامية وشاعرة أصدرت ديوان “عتاب”، وناقشت في نصوصها قضايا اجتماعية شائكة، مما جعلها “صوتاً للمرأة الخليجية” بامتياز.

الاحترافية في أقصى صورها: درس في الوفاء للجمهور
من أكثر المواقف التي توقف عندها النقاد في تاريخها، هو يوم وفاة والدتها عام 1987. ففي الوقت الذي كان فيه الحزن يمزق قلبها، رفضت حياة الفهد إلغاء عرضها المسرحي، وصعدت على الخشبة احتراماً لجمهورها الذي قطع التذاكر، لتؤدي دورها ببراعة بينما كانت الدموع لا تجف في الكواليس؛ وهو الموقف الذي لخص فلسفتها في الحياة: “الفن رسالة والتزام”.
أحلام تنعى “الأيقونة”
وفور إعلان الخبر، توالت برقيات النعي من كبار فناني العرب، حيث عبرت الفنانة الإماراتية أحلام الشامسي عن صدمتها وحزنها العميق، واصفة الراحلة بأنها “إرث خالد سيبقى في ذاكرة الأجيال”، وهو الشعور الذي شاطرها فيه آلاف المغردين عبر منصات التواصل الاجتماعي الذين استعادوا مقاطع من أعمالها الخالدة مثل “جرح الزمن” و”الداية”.
رحلت حياة الفهد، لكنها لم ترحل؛ فهي باقية في كل دمعة ذرفها المشاهد مع شخصياتها، وفي كل ضحكة رسمتها على الوجوه. رحلت الممرضة التي داوت جراح الدراما الخليجية لعقود، لتستريح اليوم بجوار ربها، تاركة خلفها “مدرسة” في الفن والأخلاق.




