رحل عن عالمنا، العالم المصري والعالم الإسلامي البارز زغلول راغب النجار، أمس الأحد 9 نوفمبر 2025، في العاصمة الأردنية عمّان على عمرٍ يُقارب 92 عاماً. حيث شكّل الدكتور زغلول النجار حالة استثنائية في المشهد العلمي والفكري العربي والإسلامي، فهو واحد من القلائل الذين جمعوا بين التكوين الأكاديمي الصارم في العلوم الطبيعية والاهتمام العميق بالمرجعية الدينية والفكر الإسلامي.
ومن خلال مسيرة علمية امتدت لعقود طويلة، استطاع أن يرسّخ لنفسه موقعاً مميزاً بوصفه أحد أبرز منظّري ما يُعرف بـ«الإعجاز العلمي في القرآن والسنة»، وهو التيار الذي حاول أن يقيم جسراً بين النصوص الدينية ومعطيات العلم الحديث، مقدّماً خطاباً يجمع بين اللغة العلمية والرؤية الإيمانية، ومثيراً في الوقت نفسه جدلاً واسعاً بين مؤيديه ومعارضيه.
منهجية التفكير التجريبي
تبدأ قصة النجار من بيئة ريفية محافظة في محافظة الغربية بمصر، حيث نشأ في بيت متدين، حفظ فيه القرآن الكريم صغيراً، وتشرب روح الأزهر من أبيه وأعمامه وخاله. هذا التكوين المبكر منح شخصيته توازناً بين العلم والدين منذ الطفولة. غير أن ما ميزه لاحقاً هو انتقاله إلى القاهرة، واحتكاكه بعوالم الفكر والعلم الحديث في مدارس العاصمة، ليبدأ مسيرة أكاديمية لافتة أوصلته إلى قمة تخصصه في علم الجيولوجيا.
لقد كانت دراسته في جامعة القاهرة ثم حصوله على الدكتوراه من جامعة ويلز البريطانية في ستينيات القرن الماضي، نقطة تحول أساسية في حياته، إذ اكتسب خلالها صرامة البحث العلمي ومنهجية التفكير التجريبي. ومع ذلك، لم تفصله هذه التجربة الغربية عن هويته الإسلامية، بل دفعته إلى محاولة إثبات أن العلوم الحديثة لا تتناقض مع النصوص القرآنية، بل تؤكدها وتكشف عن أبعادها الخفية. ومن هنا انطلق مشروعه الفكري الذي سيعرف لاحقاً باسم “الإعجاز العلمي في القرآن الكريم”.
من الناحية المهنية، لعب النجار دوراً بارزاً في تأسيس أقسام الجيولوجيا في جامعات عربية عدة، من السعودية إلى الكويت وقطر واليمن، وأسهم في تدريب أجيال من الباحثين العرب، كما نشر أبحاثاً علمية مرجعية في مجال علوم الأرض، ونال زمالة جامعة ويلز تقديراً لمجهوده البحثي. هذه المسيرة الأكاديمية المتينة وفرت له مصداقية علمية قلما توفرت لغيره ممن تناولوا قضايا الإعجاز، الأمر الذي جعل خطابه يحظى بقبول واسع لدى جمهور الباحثين والمثقفين المتدينين.
نزعة علمية دقيقة في وصف الظواهر الكونية
التحول الأبرز في مسيرته لم يكن علمياً بقدر ما كان فكرياً ودعوياً. فبعد سنوات من التدريس والبحث في الجيولوجيا، اتجه النجار إلى التركيز على الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، فصاغ خطاباً دعوياً يقوم على البرهنة بالعقل والعلم على صدق الوحي. وقد وجد في هذا المجال وسيلة لردم الفجوة بين العلوم الطبيعية والعلوم الشرعية، التي رآها من أكبر أزمات التعليم العربي والإسلامي. فبحسبه، «نحن نعاني من ازدواجية التعليم»، إذ ينتج العالم الإسلامي علماء شرعيين منقطعين عن المعارف الحديثة، وعلماء تجريبيين غافلين عن أصول الدين، وكان مشروعه محاولة لإعادة الوصل بين المجالين.
على هذا الأساس، قدّم النجار عشرات الكتب والموسوعات في الإعجاز العلمي، من بينها «موسوعة تفسير الآيات الكونية في القرآن الكريم» و*«الإعجاز العلمي في السنة»*، كما أنجز مئات المحاضرات والبرامج التلفزيونية التي لاقت رواجاً واسعاً، خاصة في العقود الأخيرة من القرن العشرين. وقد اتسم خطابه بسمتين متناقضتين ظاهرياً: الأولى نزعة علمية دقيقة في وصف الظواهر الكونية، والثانية نزعة تبجيلية ترى في كل اكتشاف علمي معاصِر شاهداً على سبق القرآن الكريم. هذا الجمع بين العلم والإيمان هو ما أكسبه لقب «رائد الإعجاز العلمي»، لكنه أيضاً ما جعله هدفاً لانتقادات واسعة من قبل بعض العلماء والمفكرين، الذين رأوا في هذا النهج خلطاً بين مجالين مختلفين.
سجن وتعذيب بسبب جماعة الإخوان
من الناحية المنهجية، اتُّهم النجار أحياناً بتوظيف النظريات العلمية – التي تتغير بطبيعتها – لإثبات نصوص دينية ثابتة، مما قد يربك العلاقة بين العلم والدين حين تتبدل تلك النظريات. ومع ذلك، كان النجار يميّز بوضوح بين «التفسير العلمي» و«الإعجاز العلمي»، فالأول في نظره محاولة بشرية لفهم النص في ضوء المعارف المتاحة، أما الثاني فهو دليل على صدق الوحي في ما كشفه من حقائق لم تكن معلومة للإنسان زمن نزول القرآن. هذه التفرقة النظرية شكّلت أساس دفاعه عن مشروعية توظيف العلم في فهم النصوص، مع التحذير من المبالغة أو التسرع في ربط كل اكتشاف بالقرآن.
من زاوية أخرى، لا يمكن فصل فكر النجار عن خلفيته السياسية والدينية. فقد نشأ على فكر جماعة الإخوان المسلمين، ودفع ثمن ذلك سجناً وتعذيباً في شبابه. لكنه ظل يعتبر الجماعة «مدرسة تربوية» أسهمت في تشكيل وعيه الإسلامي. هذه التجربة تركت أثراً عميقاً في رؤيته لدور الدين في المجتمع وفي إيمانه بأن الإسلام نظام شامل للحياة، يجمع بين الروح والعقل، والعبادة والعلم. ومع مرور الزمن، تراجع حضوره السياسي المباشر، وتركز جهده في مجالات الدعوة والفكر، مما جعله أكثر قبولاً لدى مؤسسات دينية رسمية كالأزهر ورابطة العالم الإسلامي، التي شارك عبرها في تأسيس الهيئة العالمية للإعجاز العلمي بمكة المكرمة.
مواجهة الهيمنة المعرفية الغربية
على المستوى الفكري، يمثل زغلول النجار ظاهرة ذات دلالات أعمق من شخصه، إذ يعكس التوتر المزمن بين العلم الحديث والتفسير الديني في الثقافة العربية. فبينما تبنّى بعض المفكرين الفصل الصارم بين المجالين، اختار النجار طريق التكامل، مستلهماً التراث الإسلامي الذي لم يعرف عداءً بين الدين والعلم في عصوره الذهبية. غير أن تحديات العصر الحديث، بما فيها سرعة تطور المعرفة العلمية، جعلت هذا المشروع عرضة لانتقادات تتعلق بالمنهج والموضوعية. فهناك من يرى أن الإعجاز العلمي حين يُقدَّم بلغة يقينية قاطعة، يتحول إلى نوع من “تسليع” الدين أو إلى أداة لإثبات التفوق العقائدي، بدلاً من أن يكون حافزاً على البحث العلمي الحقيقي.
ومع ذلك، يبقى النجار في نظر قطاع واسع من الجمهور العربي والإسلامي نموذجاً للعالم الذي يربط العلم بالإيمان، ويمنح المتلقي شعوراً بالفخر الحضاري في مواجهة الهيمنة المعرفية الغربية. فهو يقدم صورة الإسلام القادر على مواكبة التقدم، بل وعلى استباقه، وهو خطاب يستجيب لحاجة نفسية وثقافية عميقة في المجتمعات الإسلامية الباحثة عن توازن بين الحداثة والهوية.
الإيمان والعقل ليسا خصمين
إن القيمة الحقيقية لتجربة زغلول النجار لا تكمن فقط في صحة أو خطأ أطروحاته العلمية، بل في الجسر الثقافي الذي حاول أن يبنيه بين عالمين متباعدين. فقد استطاع، عبر كتبه ومحاضراته، أن يثير اهتمام أجيال من الشباب بالقرآن من منظور جديد، وأن يجعل من العلوم الكونية وسيلة للتأمل في عظمة الخالق. وربما لهذا السبب حظي بتكريمات عدة من مؤسسات دينية وعلمية، من بينها جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم عام 2006 التي اختارته «شخصية العام الإسلامية».
وإذا كان النقاش حول الإعجاز العلمي سيستمر طويلاً، فإن مسيرة النجار تظل شاهداً على مرحلة فكرية مهمة في العالم العربي، حيث تلاقت الحماسة الدينية مع الطموح العلمي في محاولة لإنتاج خطاب إسلامي معاصر. فقد جسد النجار فكرة أن الإيمان والعقل ليسا خصمين، بل جناحان لطيران واحد، وأن الاكتشاف العلمي يمكن أن يكون طريقاً إلى الإيمان لا بديلاً عنه. وبينما قد يختلف النقاد حول منهجه، إلا أن تأثيره في الوعي العام وفي الخطاب الديني العربي لا يمكن إنكاره، فقد ترك إرثاً علمياً وفكرياً واسعاً سيظل موضوعاً للبحث والنقاش لعقود قادمة.






