تقدّم الأرقام الصادرة عن الأمم المتحدة والبنك الدولي صورة قاتمة عن الوضع الإنساني والاقتصادي في اليمن، حيث يقف البلد على حافة أسوأ مراحل الجوع منذ اندلاع الصراع قبل نحو عقد. فوجود 17 مليون شخص يعانون من الجوع الشديد، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 18 مليوناً، يعكس ديناميات مركّبة يتداخل فيها العنف المسلح، والانهيار الاقتصادي، وتعطّل مؤسسات الدولة، والانقسامات الجغرافية والسياسية التي جعلت ملايين اليمنيين محاصرين بين نقص الغذاء، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وانعدام الأمن في مناطق واسعة. ومن خلال متابعة المؤشرات الأممية، يبدو أن أزمة الجوع في اليمن ليست مجرد نتيجة ظرفية للحرب، بل تحوّلت إلى جزء بنيوي من واقع اقتصادي واجتماعي يصعب معالجته في ظل استمرار النزاع وتعدد القوى المتحكمة بموارد البلاد.
عراقيل تواجه العمل الإغاثي
توضح الأمم المتحدة أن الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية مثل الموانئ والطرق والجسور ومرافق التخزين والتوزيع، أدت إلى إعاقة دخول الواردات الغذائية التي يعتمد عليها اليمن بنسبة تتجاوز 80%. ومع أن البلد لطالما كان هشّاً من ناحية الأمن الغذائي حتى قبل الحرب، فإن الضربات العسكرية المتكررة، وتهالك المرافق الحيوية، وتحوّل بعض المدن إلى ساحات مواجهة، جعلت سلاسل الإمداد الغذائي أكثر اضطراباً. وحسب مسؤولة الشؤون الإنسانية جويس مسويا، فإن العلاقة بين العنف والجوع تبدو “صارخة”، فالهجمات على البنية المدنية دفعت آلاف المزارعين إلى ترك الحقول والأراضي الزراعية، كما أن انعدام الأمن في المناطق الريفية منع عمليات الحصاد والنقل والتخزين، لتتراجع القدرة الإنتاجية المحلية إلى الحد الأدنى. وبذلك، أصبح اليمن عاجزاً عن إنتاج ما يكفي سكانه، وغير قادر على استيراد ما يسد فجوة الغذاء بسبب الصراع والانقسام.
وفي جانب آخر، تلعب القيود على العمل الإغاثي دوراً مركزياً في تفاقم الأزمة، إذ تواجه المنظمات الأممية والدولية صعوبات في التحرك داخل بعض المحافظات، سواء بسبب الموافقات المعقدة، أو المناطق العسكرية المغلقة، أو الأمن الهش، أو القيود السياسية المفروضة من الأطراف المتحاربة. وهذا الوضع قلّص حجم المساعدات الواصلة إلى ملايين المدنيين في المناطق الأكثر هشاشة، لا سيما الأرياف الشمالية والغربية. ومع تراجع تمويل المانحين في العامين الأخيرين، أصبح توفير الحد الأدنى من الغذاء أمراً غير مضمون، ما أجبر العديد من الأسر على الاعتماد على وجبة واحدة يومياً، وأحياناً أقل.
حصار صادرات النفط
وتؤكد بيانات البنك الدولي أن الأزمة الاقتصادية أصبحت عاملاً مضاعفاً للجوع، إذ إن أكثر من 60% من الأسر تواجه صعوبة بالغة في توفير الطعام، بينما يأخذ كثير منها خيارات قاسية مثل الاقتراض، أو بيع الممتلكات المتبقية، أو تسريب الأطفال من المدارس للعمل، أو اللجوء إلى التسوّل. ويعود هذا التدهور إلى الضغوط المتنامية على الاقتصاد اليمني، ومن أبرزها “الحصار المستمر على صادرات النفط”، وهو ما حرم الحكومة المعترف بها دولياً من المصدر الرئيسي لإيراداتها، وبالتالي تراجعت قدرتها على دفع الرواتب واستيراد السلع وتثبيت سعر العملة. كما ساهمت معدلات التضخم المرتفعة، وتدهور الريال اليمني، في زيادة أسعار السلع الغذائية بشكل غير مسبوق، في ظل تآكل الدخل وانعدام فرص العمل.
الحرب لم تدمّر البنية التحتية فحسب، بل دمّرت أيضاً موارد المجتمع، حيث تراجع الناتج المحلي إلى أقل من نصف ما كان عليه قبل 2015، وتوقفت عشرات المصانع والورش، وانقسم النظام المالي بين حكومتين، الأمر الذي خلق ازدواجية نقدية ومالية، وشتت القدرة على إدارة المبيعات، والدعم، والتخطيط الاقتصادي. في المقابل، تواصل جماعة الحوثي – الطرف المهيمن على العاصمة صنعاء وعلى المناطق الأكثر كثافة سكانية – فرض ضرائب ورسوم جديدة لتعويض نقص الموارد، وهو ما يثقل كاهل الأسر، ويزيد من ارتفاع الأسعار داخل نطاق سيطرتها.
صراع العائلات يعمق الانقسام
وتتفاقم الأزمة الإنسانية مع استمرار النزوح، حيث دفعت الاشتباكات المتواصلة آلاف العائلات إلى ترك منازلها وأراضيها في مناطق المواجهات، مما أدى إلى تراجع قدرتهم على الحصول على الغذاء بشكل طبيعي، واعتمادهم على المساعدات التي لا تصل إلا بشكل متقطع. كما أن النزوح المتكرر جعل المجتمع يعيش في حالة هشاشة دائمة، إذ يفقد النازحون القدرة على الاستقرار، ويفقدون وظائفهم ومصادر دخلهم، وتصبح خيارات البقاء محدودة للغاية. وبذلك يتحول النزوح من مسألة أمنية مؤقتة إلى عامل مباشر يدفع نحو الجوع ويفاقم مسارات الفقر.
من ناحية أخرى، يبدو أن آثار الصراع ليست محصورة بالظروف الحالية، بل تمتد إلى مستقبل الأمن الغذائي في اليمن. فالانقسام السياسي بين صنعاء وعدن خلق بيئتين اقتصاديتين مختلفتين، وهو ما جعل السياسات الزراعية والتجارية مشتتة، وأدى إلى نمو شبكات احتكار السلع، وتزايد تهريب الغذاء بين المناطق، وارتفاع كلفة النقل، وكلها عوامل تسهم في تفاقم الأسعار. كما أن استمرار الحرب جعل الاستثمار في القطاع الزراعي شبه مستحيل، رغم حاجة البلد الماسة إلى إعادة تأهيل الأراضي وشبكات الري والسدود الصغيرة، ما يعني أن اليمن سيبقى معتمداً على الواردات لفترة طويلة، وهي واردات معرضة للانقطاع في أي لحظة بسبب العمليات العسكرية أو القرارات السياسية أو الاحتكاكات البحرية في البحر الأحمر.
كذلك فإن التنافس الإقليمي والدولي على النفوذ في اليمن يكثف هشاشة الوضع الغذائي. فالحرب تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى إقليمية، بينما يسعى المجتمع الدولي إلى تخفيف الأزمة عبر الدعم التمويني، دون معالجة جذور المشكلة المرتبطة بغياب الاستقرار السياسي. وفي ظل هذه البيئة، يصبح التعافي الاقتصادي بعيد المنال، ويستمر اليمنيون تحت تهديد دائم بانفجار مستويات أوسع من الجوع.
غياب الدولة الموحدة
وعلى الرغم من الجهود الرامية إلى الوصول إلى تسوية سياسية، فإن الوضع لا يزال مقيداً بالجمود، مما يبدد الآمال بقدرة المؤسسات على التوحد وإدارة الاقتصاد بشكل متماسك. وكلما طالت الأزمة، كلما ترسخت الهشاشة الإنسانية، وكلما أصبحت الأزمة الغذائية جزءاً ثابتاً من واقع يمنع أي تقدم نحو التنمية أو التعافي. ولهذا، يرى الخبراء أن معالجة الجوع في اليمن لا يمكن أن تتم عبر المساعدات الإنسانية فقط، بل عبر معالجة سياسية واقتصادية شاملة تعيد بناء الدولة ومؤسساتها وتتيح تدفقاً مستقراً للموارد.
تُظهر قراءة الوضع الحالي أن الجوع في اليمن لم يعد حالة طارئة، بل أصبح نتيجة مباشرة لتداخل الصراع والعنف والانقسام الاقتصادي، وتراجع المساعدات، وتضرر البنية التحتية، وتقلص الإنتاج المحلي، وغياب الدولة الموحدة. ومع أن المساعدات الدولية تمثل شرياناً أساسياً للحياة، فإنها غير قادرة وحدها على إنقاذ ملايين اليمنيين دون معالجة الأسباب البنيوية التي تغذي الأزمة. ويبقى مستقبل الأمن الغذائي في اليمن رهن مسار الحرب والسلام، خصوصاً أن كل تصعيد عسكري جديد يعني موجات إضافية من النزوح، وارتفاعاً آخر في الأسعار، وفقداناً جديداً لقدرة المجتمع على الصمود.






