منذ ساعات الفجر الأولى لهذا اليوم، ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي موجة جديدة من الهجمات الجوية والمدفعية ضد مناطق متفرقة من قطاع غزة، أوقعت 48 شهيداً، بينهم مدنيون كانوا ينتظرون المساعدات الإنسانية. ومع كل غارة جديدة، يزداد المشهد قتامة ويترسخ انطباع بأن ما يجري ليس مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل سياسة تدمير ممنهج تستهدف المدينة وسكانها في عمق وجودهم.
بؤر مدنية مكتظة
تتوزع الضربات الإسرائيلية على بؤر مدنية مكتظة، من تل الهوى وشارع الجلاء في مدينة غزة إلى دير البلح ورفح وخان يونس في الجنوب. اللافت أن نسبة كبيرة من الضحايا سقطوا في خيام النازحين أو عند نقاط توزيع المساعدات، حيث تحول انتظار الخبز أو الماء إلى مشهد دموي متكرر، يعكس تصميم الاحتلال على ضرب آخر أشكال التماسك الاجتماعي.
مستشفيات القطاع وثّقت استشهاد العشرات في غارات استهدفت منازل ومراكز إيواء، بينما تشير إفادات الهلال الأحمر والدفاع المدني إلى تزايد غير مسبوق في أعداد النازحين. فقد فقد نحو 50 ألف شخص مأواهم خلال أقل من أسبوع، ليتكدسوا في شوارع ومناطق لا تتجاوز بضعة كيلومترات مربعة، وسط منع إسرائيلي صارم لإدخال الخيام أو المواد الطبية الأساسية. هذه السياسة –بحسب مراقبين– تندرج ضمن ما تسميه المؤسسات الحقوقية “هندسة ديموغرافية بالقوة”، هدفها تقليص المساحة الحيوية للسكان ودفعهم نحو الهجرة القسرية.
تحذيرات أونروا
المشهد الميداني يترجم تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي شبّه ما يحدث بـ”الإعصار” الذي يضرب غزة، في وقت يواصل فيه الجيش تدمير أبراج سكنية كبرى مثل الكوثر ومهنا والنور، مرفقاً ذلك بإنذارات شكلية لإخلاء المباني قبل نسفها. هذه التصريحات تكشف عن نية مبيتة لإزالة كل ما يشكّل بنية تحتية أو معالم حضرية للمدينة، وتحويلها إلى فراغ جغرافي غير قابل للحياة.
تحذيرات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) والمكتب الإعلامي الحكومي في غزة جاءت متطابقة؛ فالوصف الأقرب للحالة هو “تدمير شامل”. المستشار الإعلامي للأونروا عدنان أبو حسنة تحدث عن مدينة دُمر أكثر من 70% من عمرانها، وعن مليون فلسطيني محشورين في مساحة لا تتجاوز 15 كيلومتراً مربعاً. في المقابل، الجنوب الذي تحول إلى “منفى قسري” يضم اليوم أكثر من 1.2 مليون إنسان في مساحة ضيقة لا تتجاوز 35 كيلومتراً مربعاً، وسط عجز مطلق عن توفير الحد الأدنى من مقومات البقاء.
هذه الأرقام والمعطيات ترسم صورة واضحة: إسرائيل تمضي في مسار يستهدف جعل غزة “غير قابلة للحياة”، كما عبّر أبو حسنة، في إطار إستراتيجية أوسع من مجرد مواجهة مع حركة حماس. فالقصف لا يميز بين مقاوم ومدني، والضحايا الرئيسيون هم النساء والأطفال، فيما يستمر الحصار الغذائي والطبي ليحوّل المجاعة إلى أداة حرب موازية للقنابل.
جغرافيا سياسية
على الصعيد السياسي، لم يعد الخطاب الإسرائيلي يخفي طابعه العقابي. فبينما يروج كاتس لمعادلة “إخضاع حماس وإطلاق الرهائن”، تتكشف معالم سياسة أكثر عمقاً: تفريغ غزة من سكانها أو دفعهم نحو الهجرة. وقد رفضت مصر فتح معبر رفح لسيناريو التهجير، لكن استمرار القصف والنزوح تحت النار يضع مئات الآلاف أمام خيارين أحلاهما مر: الموت تحت الأنقاض أو التشتت في منافٍ غير واضحة.
يُظهر اليوم الجديد من حرب الإبادة التي تُشن منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023 أن الاحتلال الإسرائيلي لم يعد يتعامل مع غزة كجغرافيا سياسية ينبغي إخضاعها، بل كحيّز سكاني ينبغي محوه أو إعادة صياغته بالكامل. ومع بلوغ عدد الشهداء أكثر من 64 ألفاً والجرحى 164 ألفاً، بينهم الغالبية من النساء والأطفال، تبدو التحذيرات الأممية والعربية والإسلامية مجرد صدى متأخر أمام مشروع دموي متكامل، هدفه إعادة تشكيل مستقبل القطاع بالقوة الغاشمة.






