في الوقت الذي تغرق فيه المنطقة في أتون حرب مدمرة في قطاع غزة، اختارت الحكومة الإسرائيلية المضي قُدمًا في مسار تصعيدي آخر، ولكن هذه المرة على الصعيد السياسي، عبر خطوة تهدد بتقويض ما تبقى من آمال في أي تسوية سلمية: مشروع قرار في الكنيست لدعم فرض ما يُسمى “السيادة الإسرائيلية” على الضفة الغربية المحتلة. هذه الخطوة، التي يجري التصويت عليها اليوم الأربعاء، تمثل تصعيدًا سياسيًا موازياً للتصعيد الميداني، وتندرج ضمن مشروع ضم تدريجي يعيد تشكيل الجغرافيا السياسية للأراضي الفلسطينية.
ضم الضفة الغربية
ورغم أن القرار المطروح ليس ملزماً قانونياً، بل يُعدّ “إعلان موقف” غير تنفيذي، إلا أن رمزيته السياسية خطيرة، خاصة أنه يحظى بدعم مباشر من وزراء في الحكومة، مثل وزير الطاقة إيلي كوهين، ووزير العدل ياريف ليفين، فضلاً عن مباركة شخصيات بارزة في اليمين الإسرائيلي من داخل حزب الليكود، إضافة إلى تأييد من السفير الأميركي الأسبق ديفيد فريدمان. هذه التركيبة السياسية تعكس اتجاهًا واضحًا نحو تحويل التصريحات الأيديولوجية إلى سياسات مؤسسية قابلة للتنفيذ.
المؤتمر الذي عُقد في الكنيست قبل أيام، بمشاركة وزراء ونواب وسفراء سابقين، لم يكن مجرد تظاهرة إعلامية، بل منصة للإعلان عن نوايا صريحة لضم الضفة الغربية بشكل كامل، وإنهاء أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة. اللافت في الخطاب الذي قدمه المشاركون، أنه لم يكتفِ بالدفاع عن المستوطنات القائمة، بل تحدث عن “فرصة تاريخية” لفرض السيادة على كامل ما يسمونه “يهودا والسامرة”، وهو الاسم التوراتي الذي تستخدمه إسرائيل للضفة الغربية، في تجاهل صارخ للواقع الجغرافي والديموغرافي والسياسي المعترف به دولياً.
التبريرات التي ساقها المسؤولون الإسرائيليون لتبرير هذه الخطوة لم تخرج عن الإطار التقليدي للأمن والدفاع. وزير الطاقة، على سبيل المثال، تحدث عن “الضرورة الأمنية” لفرض السيادة على الضفة، مدعيًا أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي يجب أن توجد بين البحر المتوسط ونهر الأردن. أما وزير العدل فاعتبر أن الوقت حان لاتخاذ إجراءات “سريعة”، وأن الاستسلام ليس خيارًا، وكأن أي محاولة لوقف هذا الاندفاع الاستيطاني تُعد خيانة وطنية.
تطبيع الاحتلال
في المقابل، عبّر عضو الكنيست أفيخاي بورون عن واحدة من أكثر الحجج إثارة للقلق حين قال إن أكثر من 500 ألف مستوطن يعيشون تحت ما سماه “القانون الأردني”، في إشارة إلى الوضع القانوني للضفة الغربية بحسب القانون الدولي، مؤكدًا أنه يجب إخضاعهم للقانون الإسرائيلي. هذا التصريح يكشف بوضوح رغبة في تطبيع الاحتلال وجعله جزءًا من المنظومة القانونية والسياسية الإسرائيلية.
الجانب الأخطر في هذه التحركات ليس فقط في مضمونها، بل في توقيتها. فهي تأتي بينما تُرتكب جرائم مروعة في غزة، وتُقصف البنية التحتية المدنية، ويُحاصر السكان وسط مجاعة جماعية. بدلاً من التفكير في سبل لوقف النزيف، وفتح مسار سياسي جديد يُنهي الاحتلال ويحقق السلام، تنخرط إسرائيل في محاولة منهجية لتثبيت أمر واقع جديد على الأرض، مستغلةً انشغال العالم بالمجزرة الجارية في غزة، وارتباك الموقف الدولي، والصمت الأميركي المتواطئ في بعض جوانبه.
هذا التصعيد السياسي يأتي في ظل واقع ميداني لا يقل خطورة، فاقتحامات الجيش الإسرائيلي وممارسات المستوطنين في الضفة الغربية تصاعدت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وأسفرت عن استشهاد أكثر من 1000 فلسطيني وإصابة الآلاف، في ما يبدو وكأنه استغلال متعمد لانشغال الأنظار بغزة لتمرير خطة الضم على الأرض قبل إقرارها في القوانين.
إلغاء فكرة الدولة الفلسطينية
ورغم أن المجتمع الدولي عبّر أكثر من مرة عن رفضه لخطوات الضم، باعتبارها انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، فإن غياب أدوات الردع الفعالة شجّع إسرائيل على المضي في هذا المسار دون خشية من المساءلة. فالدعم السياسي الداخلي، والمناخ الإقليمي الممزق، والعجز الدولي عن وقف الحرب على غزة، كلها عوامل تتيح لحكومة نتنياهو أن تدفع بمشروعها نحو الضم الكامل، تحت غطاء أيديولوجي تبريري، وتحت أنقاض عملية سلام أصبحت في حكم الميت.
إن ما يجري اليوم في الكنيست ليس مجرد تصويت رمزي، بل هو خطوة تمهيدية ضمن مشروع أوسع لإلغاء فكرة الدولة الفلسطينية، وتحويل الاحتلال إلى واقع قانوني دائم. وإذا لم يُقابل هذا المسار برد حازم من المجتمع الدولي، فإنه سيقود إلى لحظة انهيار تام لأي أفق سياسي في المنطقة، ويضع القضية الفلسطينية أمام أخطر مرحلة منذ نكبة عام 1948.







