تعيش إسرائيل مرحلة سياسية بالغة الحساسية، إذ يقود بنيامين نتنياهو حكومة أقلية هشّة لا تملك سوى 50 مقعداً في الكنيست بعد انسحاب الأحزاب الحريدية، وتواجه ضغوطاً داخلية وانقسامات غير مسبوقة، لا سيما حول إدارة الحرب في غزة وإدخال المساعدات. في هذا السياق المضطرب، طرح نتنياهو تهديداً غير مسبوق بضمّ أجزاء من قطاع غزة تدريجياً، ما لم توافق حركة حماس على اتفاق لوقف إطلاق النار خلال أيام، في مناورة تبدو أقرب إلى الابتزاز السياسي منها إلى المبادرة العسكرية المدروسة.
فشل سياسي وعسكري
يبدو أن هذا التهديد ليس منبثقاً عن رؤية إستراتيجية متكاملة، بل جاء كاستجابة لضغوط حلفائه في اليمين المتطرف، وعلى رأسهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. هذان الوزيران هدّدا أكثر من مرة بإسقاط الحكومة إذا استمرت المساعدات لغزة دون “حسم عسكري”. وبحسب محللين إسرائيليين، فإن إعلان نتنياهو عن خطة “الضم التدريجي” جاء في محاولة لإرضاء هؤلاء الحلفاء المتطرفين ومنع انهيار حكومته، خاصة بعد فشل إسرائيل في تحقيق أي من أهدافها المعلنة في الحرب على غزة، سواء من خلال القضاء على حماس أو استعادة الأسرى أو حتى فرض سيطرة ميدانية كاملة.
إلا أن الإعلان عن خطة الضم، حتى لو لم يُنفذ فعلياً، يحمل دلالات خطيرة على المستوى الإقليمي والدولي. فهو لا يشير فقط إلى فشل سياسي وعسكري، بل إلى تحوّل في طبيعة الحرب من مواجهة مع حماس إلى صراع على الأرض ذاتها، في مشهد يُعيد إلى الأذهان مشاريع الضم السابقة في الضفة الغربية. الفارق هنا أن غزة، التي انسحبت منها إسرائيل عام 2005، لا تضم مستوطنات إسرائيلية حالياً، ولا تحوي وجوداً مدنياً إسرائيلياً يمكن استخدامه كذريعة للضم، ما يجعل أي خطوة من هذا النوع سابقة قانونية خطيرة، وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
مقامرة سياسية فاشلة
المحلل وسام عفيفة وصف خطوة نتنياهو بأنها مقامرة سياسية فاشلة، تهدف إلى استرضاء شركائه على حساب المسار التفاوضي، فيما رأى الباحث فراس ياغي أن التهديد يعكس تفعيلًا لرؤية إستراتيجية متفق عليها مع إدارة بايدن، تهدف إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية للمنطقة، عبر فرض سيادة جزئية وتهجير سكان غزة، ومن ثم إعادة إنتاج نموذج الضفة الغربية بشكل مشوه في القطاع.
الخطة، وفقاً لمصادر إسرائيلية، تتضمن بداية بضم ما يسمى “المناطق العازلة”، ثم التوسع شمالاً، وصولاً إلى السيطرة الكاملة على غزة. وقد عرضت هذه الخطة بالفعل على مسؤولين أميركيين، بمن فيهم وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وفق ما نقلته القناة 12 الإسرائيلية. ومع أن الرئيس ترامب لم يحضر الاجتماع، إلا أن نتنياهو لمّح إلى دعم أميركي غير معلن. وفي الداخل الإسرائيلي، يعتبر بعض أعضاء الكنيست أن الخطة لا تعدو كونها مناورة تهدف إلى الضغط على حماس، فيما وصفها آخرون بأنها “واحدة من أغبى التهديدات الفارغة” حسب تعبير آفي يسسخاروف، أحد أبرز كتّاب يديعوت أحرونوت.
فرض السيادة على غزة
الردود الدولية جاءت كذلك في توقيت حساس، إذ تستعد تسع دول أوروبية للاعتراف بدولة فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن نية بلاده الاعتراف بفلسطين في سبتمبر. أما بريطانيا، وعلى لسان مكتب رئيس وزرائها كير ستارمر، فقد أكدت أنها ستعترف بدولة فلسطين في حال لم تتخذ إسرائيل خطوات لوقف الكارثة في غزة، وهو ما يزيد من عزلة إسرائيل الدولية ويُحوّل تهديدات الضم إلى عبء دبلوماسي ثقيل.
من ناحية قانونية، فإن قطاع غزة لا يزال يُعتبر أرضاً محتلة بموجب القانون الدولي، رغم الانسحاب الإسرائيلي الأحادي عام 2005، نظراً لاستمرار السيطرة الإسرائيلية على الحدود والمجالين الجوي والبحري. وبالتالي، فإن أي خطوة لفرض سيادة على غزة تُعد خرقاً واضحاً للقانون الدولي ولاتفاقيات جنيف، ومخالفة لقرار محكمة العدل الدولية الذي نصّ صراحة على أن الضفة وغزة والقدس الشرقية أراضٍ محتلة.
في ضوء هذه المعطيات، يرى عفيفة أن خطة الضم لا تعبر عن استراتيجية واضحة بقدر ما تمثل محاولة للهروب إلى الأمام، في ظل فشل سياسي وعسكري داخلي، وانسداد أفق تفاوضي حقيقي. كما يرى ياغي أن إسرائيل، وبدعم أميركي، لا تسعى إلى إنهاء الحرب بقدر ما تسعى إلى إعادة رسم الجغرافيا والديمغرافيا في غزة، عبر تقليص المساحة، وفرض تواجد أمني دائم، ودفع السكان نحو الهجرة.
ورقة ضغط
ما يفاقم الأزمة هو استمرار الانقسام داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها. فبينما يتحدث وزراء مثل سموتريتش وبن غفير عن “العودة إلى صهيون” و”احتلال كامل للقطاع”، يشكك وزراء آخرون من الليكود بجدوى هذه الخطوة وقدرتها على الصمود قانونياً أو عملياً. ومما يزيد المشهد تعقيداً، أن أي إعلان رسمي بالضم، بحسب قانون صدر في 2014، لا يمكن التراجع عنه إلا بموافقة 80 عضواً في الكنيست أو عبر استفتاء شعبي، وهو ما لم يسبق أن حدث في تاريخ إسرائيل.
خلاصة القول إن خطة ضم أجزاء من قطاع غزة، سواء طُبقت فعلياً أو ظلت ورقة ضغط، تعكس فشلاً داخلياً، وارتباكاً إستراتيجياً، وخطورة متزايدة في سلوك الحكومة الإسرائيلية، التي أصبحت تحاول التغطية على إخفاقاتها من خلال مغامرات سياسية قد تجرّ المنطقة إلى انفجار أوسع، في ظل غياب ردع دولي حقيقي وصمت عربي رسمي يتغاضى عن هذه التهديدات المتكررة، التي لم تعد تهدد فقط سكان غزة، بل تضع مستقبل الإقليم بأسره على المحك.




